تقرير"عوده" عن الفصل الأول من 2019: تقييم إمكان سيناريو الهبوط الآمن في أوضاع المالية العامة

8 أيار 2019 | 17:39

شهد الاقتصاد اللبناني الحقيقي مزيداً من الضغوط في الفصل الأول من العام 2019، إنما دون الوقوع في فخ الركود أي انكماشٍ صافٍ بالقيم الحقيقية. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان 1.3٪ للعام 2019 وفق آخر التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي، والتي على الرغم من بقائها إيجابية، تشير إلى وهن في إجمالي حركة الاستثمار. أما الاستهلاك الخاص فقد استمر في النمو خلال الفصل الأول من العام 2019، وإن بوتيرة أخف نسبياً. هذا وإن حالة الترقب والتريث التي تشوب أوساط مستثمري القطاع الخاص قد تُرجمت بتردّدٍ في الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة في لبنان في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الشائكة بشكل عام.

فمن أصل 11 مؤشر للقطاع الحقيقي، ارتفعت ثلاث مؤشرات بينما تراجعت ثمانية مؤشرات خلال الفصل الأول من العام 2019 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2018. ومن بين المؤشّرات التي سجّلت نمواً إيجابياً نذكر عدد السياح الذي سجل نمواً بنسبة 3.7%، والصادرات (+0.9%) وعدد المسافرين عبر مطار بيروت (+0.4%). ومن بين المؤشرات التي سجلت نسب نمو سلبية نذكر تسليمات الإسمنت (-31.3%)، ومساحة رخص البناء الممنوحة (-27.6%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (-22.5%)، وقيمة المبيعات العقارية (-19.2%)، وحجم البضائع في المرفأ (-14.3%)، وقيمة الشيكات المتقاصة (-11.9%)، والواردات (-11.8%) وإنتاج الكهرباء (-1.2%). عليه، فقد سجّل متوسط المؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان تقلصاً سنوياً بنسبة 4.6% خلال الشهرين الأولين من العام 2019، في مقابل نمو صافٍ بنسبة 3.3% خلال الفترة المماثلة من العام السابق.

على صعيد القطاع الخارجي، نمت الصادرات بنسبة 0.9٪ بينما انخفضت الواردات بنسبة 11.8٪ خلال الفصل الأول من العام 2019، مما قلّص العجز التجاري بنسبة 14.4٪. ولكن بما أن تدفقات الأموال الوافدة لم تكن كافية لتعويض العجز التجاري، فقد سجل ميزان المدفوعات عجزًا بقيمة ملياري دولار في الفصل الأول من العام. في هذا السياق، يجدر الذكر أن البلاد تشهد تحسناً في النشاط السياحي في ظل رفع الحظر السعودي والظروف الأمنية الداخلية المستقرة، مما رفع من نسبة إشغال الفنادق، من 54.9٪ في الشهرين الأولين من العام 2018 إلى 65.0٪ في الشهرين الأولين من العام 2019.

وعلى صعيد المالية العامة، فإن تشكيل الحكومة الجديدة قد ساهم في تحسين الآفاق المستقبلية للبلاد على المدى القريب، مع إطلاق بعض الإصلاحات المالية المنتظرة والمتعلقة بقطاع الكهرباء وموازنة العام 2019، بالإضافة إلى تكثيف الجهود لتعزيز الحوكمة. إلا أن التحديات تكمن في التنفيذ وترجمة تلك الخطط الشاملة إلى إجراءات وتدابير ملموسة. على الصعيد النقدي، لا يزال الوضع النقدي منيعاً إلى حدّ ما في ظل موجودات خارجية لدى مصرف لبنان تبلغ 39 مليار دولار (أي 77% من الكتلة النقدية بالليرة) وسيولة وافرة لدى القطاع المالي والبالغة حوالي 40٪ من ودائع الزبائن بالعملات الأجنبية. في موازاة ذلك، بلغ متوسط معدّل التضخم في مؤشر أسعار المستهلكين 3.7% في آذار 2019.

أما على الصعيد المصرفي، عقب شهر صعب في كانون الثاني من العام الحالي حيث شهد لبنان انخفاضاً في قاعدة الودائع المصرفية، عادت الودائع المصرفية لترتفع مرة أخرى في شهري شباط وآذار، مع الإشارة إلى أن هذه الزيادة في الودائع المصرفية تعدّ أقل من تلك المطلوبة لتمويل العجوزات الهيكلية في لبنان. أما بالنسبة لأسعار الفائدة، فقد تراجع متوسط سعر الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية من 9.16% في شباط 2019 إلى 8.75% في آذار 2019، في حين استقر متوسط سعر الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي عند 5.69% في آذار.

أما على صعيد أسواق الرساميل، فقد جاءت ردة الفعل بشأن تشكيل مجلس الوزراء من الأسواق نفسها التي رحبت بهذا التطور. إذ شهدت سوق القطع ارتفاعاً في الطلب على الليرة اللبنانية في مقابل طلب أقل على الدولار الأمريكي ولكن ليس إلى حدّ قيام مصرف لبنان بشراء العملات الأجنبية من المصارف اللبنانية. أما معدل الفائدة من يوم إلى يوم، فبعدما كان يُتداول بنسب مرتفعة (وصل إلى 75٪ في بعض الأحيان)، عاد ليتم تداوله عند مستواه العادي بحدود 5%. هذا وسُجل بعض الطلب الأجنبي على سندات اليوروبوندز اللبنانية، حيث تراجع متوسط المردود إلى 9.28% مؤخراً، من متوسط ذروة بلغ 12٪ في منتصف شهر كانون الثاني، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه كان قد وصل إلى مستوى متدنٍ نسبته 8.80٪ في منتصف شباط. أما هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات فقد تقلّصت إلى 800 نقطة أساس، بعدما تجاوزت عتبة الـ900 نقطة أساس في كانون الثاني، مع الإشارة إلى أنها كانت قد وصلت إلى 670 نقطة أساس في منتصف شباط 2019.

الخلاصة: تحقيق سيناريو الهبوط الآمن في المالية العامة لا يزال ممكناً في المدى المنظور

هذا ونعتقد أنه لا يزال هناك مجال لتحقيق سيناريو الهبوط الآمن في المالية العامة بدلاً من التدابير ذات التداعيات السلبية الطويلة الأمد مثل تخفيض سعر صرف الليرة أو إعادة هيكلة الديون. إذ لا يزال هناك مجال لتخفيض العجز المالي العام وكبح نمو نسب المديونية من خلال عدد من التدابير المرجوّة على صعيد الإيرادات والنفقات العامة والتي تتمحور بشكل خاص حول زيادة تعبئة الموارد، وتحسين جباية الضرائب، وتقشف في الإنفاق، وإصلاح قطاع الكهرباء، وتطبيق مقررات مؤتمر "سيدر"، بالإضافة إلى إدارة رشيدة لموارد النفط والغاز. في هذا السياق، التزمت الدولة اللبنانية بتخفيض العجز المالي العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% سنوياً على مدى السنوات الخمس القادمة، وذلك من عجز مالي قدره 11% من الناتج في العام 2018 (أي ما يعادل 6 مليارات دولار). إن تقييم متطلبات هذا الالتزام يشير إلى أنها يمكن أن تنبع من عدد من المصادر وفقاً لما يلي:

فيما يتعلق بالتقشف في الإنفاق العام، هناك مجال لتخفيض النفقات غير الثابتة (خارج الأجور والرواتب وخدمة الدين والتحويلات لمؤسسة كهرباء لبنان) بنسبة 20% على النحو الذي اقترحه البيان الوزاري للحكومة الجديدة، ما من شأنه أن يحقق وفورات بمقدار 0.9 مليار دولار، أي ما يعادل 15% من العجز المالي للعام الماضي. هذا وإن انخفاضاً أكثر حدة في النفقات غير الثابتة بنسبة 40٪ ضمن سيناريو أطول أجلاً قد يؤدي إلى تحقيق وفورات قدرها 1.6 مليار دولار من إجمالي الإنفاق المتغير البالغ 4.3 مليار دولار.

وفيما يتعلق بإصلاحات قطاع الكهرباء، هناك إمكانية لكي يصبح القطاع مربحاً على المدى المتوسط، عقب عجزاً قطاعياً بقيمة 1.7 مليار دولار في العام الماضي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إصلاح القطاع عبر بناء محطات الطاقة اللازمة، وضمان الكهرباء على مدار 24 ساعة ورفع رسوم الكهرباء. مع الإشارة إلى أن تعرفة الكهرباء في لبنان يمكن أن تزيد بما لا يقل عن 40٪ (أي من 9.5 سنت لكل كيلوواط ساعة حاليًا إلى 14 سنت لكل كيلوواط ساعة، وهي تبقى أقل من المتوسط العالمي البالغ 19 سنتًا لكل كيلوواط ساعة)، عندما يتوقف اللبنانيون عن دفع فواتير مزدوجة وحصرها بفاتورة واحدة لمؤسسة كهرباء لبنان، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفاتورة التي تُدفع للمولدات الكهربائية تبلغ حوالي 25 سنتًا لكل كيلوواط ساعة.

فيما يتعلق بتعزيز تعبئة الموارد، تجدر الإشارة إلى أن نسبة تعبئة الموارد في لبنان لا تتجاوز 19٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أقل من متوسط البلدان النامية البالغ 26٪ ومتوسط البلدان المتقدمة البالغ 36%. وفي حين أن تعزيز الاقتطاع لا يزال خاضعًا للتجاذب السياسي في البلاد بسبب الضغوط الاجتماعية التي يمكن أن تولدها أي زيادات ضريبية في اقتصاد واهن النمو، نعتقد أنه كشرط أساسي لأي زيادة ضريبية، يحتاج لبنان إلى ضمان مكافحة الفساد تدريجياً حتى يتم تقبّل ضرائب إضافية بشكل عام من قبل اللبنانيين. إننا نثمن الجهود المبذولة حاليًا لتعزيز الحوكمة ولكن ينبغي استكمالها بتدابير أكثر صرامة في الإدارة العامة.

أما فيما يتعلق بمكافحة التهرب الضريبي، نعتقد أن هناك مجال لسد ما لا يقل عن ربع فجوة التهرب الضريبي في غضون السنوات القادمة والتي نقدر حجمها بحوالي 4.8 مليار دولار، تتأتى بشكل رئيسي عن ضرائب الدخل وفواتير الكهرباء والضريبة على القيمة المضافة والضرائب الجمركية والعقارية. ما من شأنه أن يضمن إيرادات سنوية إضافية بقيمة 1.2 مليار دولار، أي ما يعادل 2.25٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ويكاد يناهز نصف الجهد الإصلاحي الذي التزم به لبنان في مؤتمر "سيدر".

في الختام، وفي حال تمّ تنفيذ جميع هذه التدابير، قد لا يكون هناك عجز ملموس في المالية العامة على المدى المتوسط. أما وفي حال تم تنفيذ نصف هذه التدابير لاسيما نتيجة تجاذبات سياسية داخلية محتملة، هناك مجال لتخفيض العجز المالي العام من 11% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.5% في أفق أقصاه 5 سنوات وتحقيق سيناريو الهبوط الآمن في أوضاع المالية العامة، مما يشير إلى أن أرقام المالية العامة لا تزال قابلة للاحتواء وأن البلاد لم تقع بعد في فخ المديونية، على الرغم من أوضاع المالية العامة الواهنة في المرحلة الحالية. بالطبع، كل هذا يتطلب حدًا أدنى من الإجماع السياسي المأمول عقب تشكيل حكومة جديدة طال انتظارها. من هنا، ينبغي على جميع الأطراف السياسية في البلاد الشروع في خيارات صعبة عبر إصلاحات هيكلية أكثر إلحاحية والتي من شأنها أن تجنّب لبنان تجرّع الكأس المريرة الناجمة عن غياب المبادرات الإصلاحية مع ما يترتّب على ذلك من تداعيات سلبية على الاستقرار الاقتصادي في المدى الطويل عموما.

مصارف الأعمال في لبنان... مرحلة تحوّل في الأسواق المالية تستدعي الحذر

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard