رمضان طرابلسياً: شهر التقوى والصوم والفرح الهادئ

7 نوار 2019 | 17:19

المصدر: "النهار"

الساحة الرئيسية في طرابلس.

يبدأ الصوم في رمضان مباشرة بعد فجر اليوم الأول منه، وينقطع المسلمون عن الأكل والشرب بصورة مباشرة حتى مغيب الشمس. لكن الممارسات المرافقة للصوم قد تبدأ قبله، ولا تنتهي حتى أيام متقدمة منه، وربما استمرت طوال الشهر.

هكذا بدت طرابلس متحضرة لاستقبال رمضان الكريم بزينة في عدد من الشوارع العامة، ومتهيئة لضروراته من مآكل وحلوى وعصائر متنوعة تعوّض خسارة المياه من الجسم طوال النهار، خصوصاً في النهارات الطويلة التي تمرّ في هذه الفترة من السنة.

قبل بدء الصوم، استقبل الناس الشهر الفضيل بزينة في بعض الشوارع والأحياء، ومنها مستديرة النور وقصر الحلو، ولفتت الزينة التي أقامها مقهى "فهيم" على التلّ الذي يتحول خلال الأماسي الرمضانية إلى منتدى يغصّ بالرواد، يقضون فيه سهراتهم الطويلة حتى ساعات متقدمة من الليل، مثله مثل الكثير من الأماكن الأخرى كباب الرمل حيث مقهى موسى، وما يحف به من العديد من المقاهي التي تكتظ بالرجال، يمارسون تناول "نراجيلهم"، والمشروبات الساخنة من زهورات، وشاي، وقهوة، وخلافه، ويتسلون بألعاب الورق وطاولة الزهر.

كما يكتظّ شارع عشير الداية الأحدث في المدينة والمعروف بمنطقة الضم والفرز، بالجمهور في العديد من المقاهي المنتشرة فيه، فيضيق بسيارات الرواد الشارع العام الوسيع.

في هذا الشارع ازدانت المساجد العديدة بالأنوار، وتهيأت كما معظم المساجد الأخرى في المدينة لصلاة التراويح التي تتلو الإفطار.

واللافت هذا العام تنامي ظاهرة تزيين الشرفات بالأنوار المتلألئة والملونة، منبعثة من الأشرطة الكهربائية المعدة خصيصاً للمناسبات، ترحيباً بقدوم الشهر الفضيل.

تبدأ الحركة مطلع الشهر بطيئة، تفاقمها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لذلك بدت الشوارع في غالبية الأحياء ضعيفة الحركة قبل الإفطار، لكنها تنشط بعده، حيث يبدأ الناس بالنزول من البيوت، والتوجه نحو المساجد لأداء صلاة التراويح، ثم يتوزعون، كل منهم بحسب هواه، للانضمام إلى أصدقاء ومجموعات يمضون معاً سهرات سمرٍ رمضانية هادئة.

وبدأ الشهر ينشر عدّته من مشروبات خاصة وعصائر، مثل السوس والخرنوب والتمر الهندي والليمون والليموناضة، وتقام لها البسطات الكثيرة في مختلف الأحياء.


كما تدخل الحلويات المختلفة على الخط بسرعة لتعويض الطاقة المفقودة بالانقطاع عن الطعام طوال النهار، وتتنوع الحلويات، لكن لـ"الكربوج" مكانة خاصة في رمضان لما يحتويه من نسبة عالية من السكر، على ما أفاد أعتق مصنّعيه التقليديين كنعان شرف الدين الذي لا يزال يحتفظ في مشغله داخل الأحياء القديمة الضيقة، في محلة تعرف بـ"الرمانة"، فيزدهي محلّه بالأنوار البراقة احتفاء برمضان، وبإشراقة النظافة المنبعثة من عمله.

لكن صناعة الكربوج لا تقتصر على شرف الدين، حيث يُصنع في محلات "الحلاّب". كما يحضُر الكلاج بقوة، وكذلك ورد الشام، وهي حلويات يقلّ الطلب عليها في بقية أيام السنة، بحسب شرف الدين.

وللقهوة مكانة لا تنضب، فالمصبّات منتشرة في كل شارع ومنعطف وزاوية، يقدّم أصحابها الشفّة المرّة، أو الوسط، أو الحلوة، بحسب الراغب، ولا يتوقف عملها طوال الشهر، وإن استمرت بعده، لكن ليس لساعات متأخرة كما في رمضان.

ويسبّب بعض باعة القهوة ازدحام سير نظراً لطيب قهوتهم، منهم سؤدد في الميناء، وأحمد المعلم الحلبي، على زاوية مدرسة عبرين، قبالة قصر الحلو، وتمتاز قهوته بنكهة دسمة مفعمة بالهال العربي.


ويظل رمضان ناقصاً في طرابلس، كما في العديد من الأماكن الأخرى، بغياب المسحراتي الذي يبدأ منذ اليوم الأول بالتجواب في الشوارع مردداً الأدعية والابتهالات المترافقة مع قرع الطبل. والمسحراتيون فرق متعددة، بحسب المسحراتي محمد العتال، الذي قال إن فرق المسحراتية تتقاسم في ما بينها شوارع المدينة، ويلتزم المسحراتيون عقد الشرف في ما بينهم، فلا يتعدى واحد على خط الآخر"، ذاكراً أن "ما يقوم به المسحر هو إيقاظ النيام لتناول آخر وقعة من الطعام في الفترة المسموح بها قبل السحور"، لذلك لا يبدأ تجوابه إلا بعد الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

وفقد المسحراتيون، هذا العام، أحد أعتق أعمدتهم "أبو طلال"، فغاب معه صوت صافٍ متمرس، يتقن العديد من الروايات التي تتحدث عن وقائع دينية، كما الدعاءات والابتهالات، وكان يصحب معه عدداً من الناشئة من أصحاب الأصوات الجميلة في المناسبات الداخلية.

ما غاب اليوم هو المدفع الذي كان مثبتاً في إحدى فتحات قلعة طرابلس المطلة على المدينة، لكن في السابق، كانت تنطلق منه على يد رامٍ متمرس واحد وعشرون طلقة عند ثبات ظهور الهلال، أي تأكيد بدء الشهر الكريم، كذلك، عند ثبات نهايته وبدء عيد الفطر. أما في بقية أيام الشهر، فإن المدفع يستعمل في طلقتين خلّبيتين (محشوتان بالبارود من دون الطقة المعدنية المتفجرة) فجراً، واحدة لإيقاظ الناس للسحور، والثانية، بعدها ببعض الوقت، للكفّ عن الطعام، والبدء بالصوم.

من المظاهر التي بدأت مع دخول رمضان، تزيين القلعة، وساعة التل، اللتين بدتا متوهجتين من مسافات بعيدة.

لا يزال رمضان في بدايته، والمنتظر الكثير من الممارسات التي يتقنها الطرابلسيون، يحوّلون بها ليالي المدينة إلى فرح هادئ، وحميمية قلّ نظيرها في بقية أيام السنة، متغلبين بها على الكثير مما يقضّ مضاجع شرائح واسعة منهم، من فقر وعوز.



المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard