هل غيّرت العقوبات الغربيّة حسابات بوتين؟

5 أيار 2019 | 13:26

المصدر: "مجلس العلاقات الخارجيّة"

  • "النهار"
  • المصدر: "مجلس العلاقات الخارجيّة"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - "أ ب".

تطرّق الباحث في "مجلس العلاقات الخارجية" أندرو شاتزكي إلى مدى تأثير العقوبات الغربيّة على الاقتصاد الروسيّ وتالياً على السياسات التي يتبنّاها الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. شاتزكي الذي يغطّي شؤون الاقتصاد والطاقة والجيوبوليتيك كتب أنّ الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي صعّدا عقوباتهما على روسيا منذ اجتياحها أوكرانيا سنة 2014. تضمنت أهداف الغرب معاقبة موسكو ودفعها إلى الانسحاب من شبه جزيرة القرم وردعها عن المزيد من الاعتداءات والتشديد على وجوب احترامها الحدود الدوليّة. 

ما وضع الاقتصاد الروسي اليوم؟

من سنة 2014 حتى 2015، وقع الاقتصاد الروسي في أطول فترة انكماش خلال حوالي عشرين سنة مع انخفاض أسعار النفط والتدهور الكبير في قيمة الروبل. منذ ذلك الحين، سلك الاقتصاد مساراً تصاعديّاً. عادت البلاد لتشهد نمواً على الرغم من بطئه، ونسبة البطالة قريبة من أدنى المستويات تاريخياً. يشير المشككون إلى أنّ ثمار الانتعاش تكدّست في الغالب عند الأثرياء فيما تستمر الأجور الحقيقيّة بالانخفاض. وفي حين أنّ الأسواق المالية تزدهر داخل موسكو، لا يستطيع ثلث سكان البلاد شراء زوج ثانٍ من الأحذية، وفقاً لوكالة الإحصاءات الرسمية في روسيا.

إلى أي مدى يمكن إرجاع ذلك إلى مفعول العقوبات؟

يقول المحللون إنّه من الصعب فصل تأثيرات العقوبات عن عوامل أخرى. نتج الركود الأساسي الذي شهدته روسيا عن الانهيار الحاد في أسعار النفط. بين سنة 2014 وأوائل 2016، انخفضت أسعار النفط الخام من 115 دولاراً إلى 35 دولاً للبرميل الواحد. يمثّل إنتاج النفط والغاز 30% من الناتج المحلّي الإجماليّ ونصف موازنة الحكومة في روسيا. ومع عودة الارتفاع التي طرأت على أسعار النفط، وهي نتجت جزئياً عن التنسيق الروسي مع منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، عاد التحسن إلى الاقتصاد الروسيّ. أدّت تطورات أخرى دورها في هذا الإطار أيضاً، بما فيها إبطاء الاحتياط الفيديراليّ الأميركيّ تشديده للسياسات النقديّة. إنّ أسعار الفائدة المنخفضة تساعد الاقتصادات الناشئة ذات مستويات الدين المرتفعة المقيّمة بالدولار الأميركيّ، كما هي الحال مع روسيا.

يبدو أنّ العقوبات أنتجت تأثيراً متواضعاً، حيث قدّر صندوق النقد الدوليّ أنّها قلّصت ما بين 1 و 1.5% من الناتج الاقتصاديّ الروسيّ. في سنة 2019، صدر تقرير عن خدمة أبحاث الكونغرس وقد ذكر أنّ هذه الأرقام كانت مقصودة بشكل جزئيّ. أراد صنّاع السياسة أن يستهدفوا أفراداً مسؤولين عن سلوك روسيا السيّئ من دون أن إيذاء المواطنين الروس العاديّين أو الأعمال الأوروبّيّة والأميركيّة. أثار هذا الأمر تذمّرات من أنّ العقوبات افتقرت للألم الاقتصاديّ. على الرغم من ذلك، أشار محلّلو خدمة الأبحاث في الكونغرس إلى الأجراءات أعطت الأولويّة للتأثير الطويل المدى عوضاً عن الألم القصير المدى. يشدّد المدافعون عن العقوبات على أنّ غياب اليقين الذي ينتج عنها يمكن أن يواصل إبطاء الناتج المحليّ الإجماليّ في السنوات المقبلة.


هل غيّرت العقوبات سلوك روسيا؟

لا يبدو أنّ تأثيراً مباشراً كبيراً قد حدث ممّا أدّى إلى خيبة أمل لدى صنّاع القرار الذين أملوا أن تردع العقوبات التدخّل الروسيّ في شؤون الدول الأخرى. لا تزال روسيا نشطة في أوكرانيا ووفقاً لوكالات الاستخبارات الغربيّة، تدخّلت روسيا في الانتخابات الأوروبّيّة والأميركيّة. يضاف إلى ذلك أنّ عميلين روسيّين مشتبهاً بهما استخدما غاز أعصاب محظوراً في محاولة لاغتيال الجاسوس السابق سيرغي سكريبال على الأراضي البريطانيّة سنة 2018.

لكنّ بعض الخبراء لا يوافقونهم الرأي، مجادلين بأنّ العقوبات منعت روسيا من ارتكاب سلوك أكثر عدوانيّة حتى في أوكرانيا. ويعتقد آخرون أنّ تدهور الظروف الاقتصاديّة أدّى إلى تقلّص الدعم الشعبيّ للرئيس فلاديمير بوتين وأضعف موقعه. على الضفة الأخرى، يرى آخرون أنّ العقوبات أنتجت تأثيراً ارتدادياً من خلال تعزيز دعم النخبة للرئيس الروسيّ. وهنالك قسم آخر يشير إلى أنّه من دون وجود أهداف محدّدة بوضوح كي تلتزم بها روسيا لرفع العقوبات عنها، سترى موسكو أنّ نظام العقوبات مبهم، وبذلك، لن يعطيها ذلك أي حافز لتغيّر سلوكها. وعلى أيّ حال، إنّ النقاش حول فاعليّة العقوبات هو نقاش قديم.

ما التالي؟

يستمرّ هذا النقاش في واشنطن. في سنة 2017، دفع تضارب سياسة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تجاه موسكو كلا الحزبين في الكونغرس إلى تمرير عقوبات جديدة ومنع الرئيس من تفكيك العقوبات الموجودة بدون موافقة من الكونغرس. وفي كانون الثاني 2019، حاول الأخير مجدداً فرض نفسه عبر تشريع كان من شأنه أن يمنع البيت الأبيض من رفع العقوبات عن أكبر شركة روسيّة منتجة للألومينيوم. لكنّ هذا الإجراء فشل في نهاية المطاف.

مع ذلك، وسّعت إدارة ترامب بعض العقوبات من ضمنها شريحة صغيرة فُرضت في آذار الماضي بالتنسيق مع كندا والاتّحاد الأوروبّي. ويدرس البيت الأبيض فرض المزيد من العقوبات المرتبطة بالتدخل في الانتخابات وبتسميم الجاسوس سكريبال، على الرغم من أنّ الإدارة رفضت مقترحات أخرى تقدّم بها أعضاء من مجلس الشيوخ.

لطالما حذّر الخبراء من أنّ هدف بوتين يكمن في إضعاف التعاون بين الدول الغربيّة وقد سعى إلى مداهنة زعماء ودودين في النمسا والمجر وإيطاليا من أجل كسر الصفوف والدفع باتجاه رفع العقوبات. في هذه الأثناء، إنّ عقوبات منفصلة على إيران وفنزويلا تعزّزان أكثر ارتفاع أسعار النفط ممّا يزيد من احتمال تلقّي اقتصاد بوتين المتعثر دفعاً آخر.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard