رقص في الكاتدرائيّة... "عندما تجتاح الشياطين الكنائس": إليكم التّفاصيل

3 أيار 2019 | 18:26

المصدر: "النهار"

صورتان من الحفلة الراقصة (Le Quotidien، وTrax).

الحفلة راقصة. موسيقى الـ"تكنو" لعلعت في الارجاء، في ظل اضاءة مناسبة. الكاميرا تمرّ على وجوه شباب وصبايا استغرقوا في الرقص. وخلال جولتها، تظهر تفاصيل المكان: مذبح ضخم تعلوه زجاجيات ملونة كبيرة، قبب عالية جمعت تحتها فسحة واسعة... ومقاعد اصطفت في المكان. الموقع كنيسة، على ما يبدو، في فيديو تتناقله بكثافة صفحات وحسابات لبنانية ذات طابع مسيحي خصوصا.

"عندما تجتاح الشياطين الكنائس وتُستَباح كل مقدساتنا، هل بدأ المخاض؟"، وفقا لبوست أُرفِق بالفيديو، منبها الى ان "الكثير من الكنائس في أوروبا تُباع وتتحول إمّا ديسكوهات، اما متاحف، اما مطاعم. البحاثة في هذا الشأن يقولون إنه مع حلول سنة 2050، ستنتهي المسيحية تماماً في أوروبا". مشاهد الرقص في الفيديو صُوِّرت، وفقا للزعم، في "كاتدرائية بفرنسا، وهذه حالها اليوم". ما حقيقة هذا الفيديو؟ رقص في كاتدرائية في فرنسا؟ اين؟ ولماذا؟ وهل "تنتهي المسيحية في اوروبا بحلول 2050"، كما ينسب البوست الى "بحاثة" لم يذكر هويتهم؟

"النّهار" دقّقت من أجلكم

النتيجة: صحيح، الفيديو صُوِّر في كاتدرائية "سابقة" (في ميتز) بفرنسا عام 2016، بعدما "حُوِّلت" لاستخدامات اخرى ابتداء من ايار 2012، و"باتت تستضيف معارض وحفلات موسيقية". اما الزعم ان "المسيحية ستنتهي تماما في أوروبا بحلول 2050"، فهو زعم خاطىء، اذ توقعت دراسة استشرافية لمركز "بيو" الاميركي ان "يبقى المسيحيون أكبر مجموعة دينية في أوروبا بحلول 2050، على أن ينخفض عددهم من ثلاثة أرباع مجموع السكان إلى أقل من الثلثين".

الوقائع: 7,34 دقائق مدة الفيديو الذي استقطب في الايام الاخيرة اهتمام صفحات وحسابات لبنانية، خصوصا ذات طابع مسيحي. وقد أُرفق بالكلام الآتي: "عندما تجتاح الشياطين الكنائس وتستباح كل مقدساتنا، هل بدأ المخاض؟ أين المسيحية مما يجري؟ أين الكنيسة؟ أين المجموعات المؤمنة؟ أوروبا والعالم باتا على شفير الهاوية. وجود الكنيسة مرتبط بوجود الروح القدس. الكثير من الكنائس في أوروبا تُباع وتتحول إمّا ديسكوهات، اما متاحف، اما مطاعم. البحاثة في هذا الشأن يقولون إنه مع حلول سنة 2050، ستنتهي المسيحية تماماً في أوروبا، وستفقد أوروبا هويتها، رغم عدم وجود اضطهاد وضيقة، ليبتعد الشعب عن المسيح! الكنيسة ليست مبنى، بل جماعة المؤمنين. فأين جماعة المؤمنين في أوروبا اليوم؟ هم ليسوا موجودين. لذلك لا يعود هُناك داعٍ لهذه المباني. في الفيديو أدناه كاتدرائية في فرنسا، وهذه حالها اليوم... ذلك لأن هذا الشعب يبكي على احتراق إرث حجري كنوتردام، وليس على احتراق الإيمان وتحوله رمادا. الفيديو عام 2016".

التدقيق:

-بحثا على الانترنت، يتبين ان الفيديو نشره إيرينه سوتر Irenee Sutter الأحد 27 آذار 2016 (صادف عيد الفصح لدى الكاثوليك). البث كان يومذاك مباشرا من بازيليك القديس فانسان Basilique Saint Vincent في ميتز Metz، فرنسا، وفقا لما يحدد في صفحته في "الفايسبوك". وقد حصد الفيديو منذ ذلك اليوم 4053 مشاركة، الى جانب 1800 اعجاب على الاقل، وعشرات التعليقات.

-يبين ايضا البحث أن الفيديو تجدّد احياؤه في نيسان 2019، لا سيما في صفحات وحسابات اجنبية، قبل ان تنشره بدورها صفحات لبنانية، خصوصا مسيحية. في الحسابات الاجنبية، أُرفق ببوستات منتقدة. على سبيل المثال، كتب حساب Дејан Дамњановић في الـ"يوتيوب" بالصربية: (ما امكن ترجمته) "البطريرك يدعو هؤلاء الناس أعضاء في كنائس شقيقة. اي بطريرك هذا، واي كنيسة تلك؟...". وفي حساب آخر، "الله لم يعد صبورا. عليه أن يأتي ويأخذ كل ما هو له، وستكون للأشرار النار". اما في الصفحات اللبنانية، فقد ارفق الفيديو ببوست "عندما تجتاح الشياطين الكنائس وتستباح كل مقدساتنا...".

-نعم، المكان الذي يظهر في الفيديو هو داخل بازيليك القديس فنسان في ميتز. انها الزجاجيات ذاتها التي صوّرت في الفيديو المتناقل، المدخل ذاته، والمذبح ذاته (صور للمقارنة). البازيليك بدأ بناؤها عام 1248، وفقا لموقع Metz.fr، وتم تكريسها عام 1376. وهي تتميز بطابع "قوطي، كلاسيكي". وتصنف بأنها "معلم تاريخي" في فرنسا. ابتداء من ايار 2012، "لم تعد صرحا كاثوليكيا مكرّسا، وباتت تستضيف المعارض والحفلات الموسيقية".

-ردا على تساؤلات وتعليقات، اوضحت يومذاك ابرشية ميتز ان "لا علاقة لها اطلاقا بهذا الحفلة". الكاتدرائية لم تعد مكرسة ابتداء من 2012، وتديرها مدينة ميتز". وقالت: "بما انه لم يعد لدى الابرشية اي سلطة على هذا الصرح، لا يمكنها التدخل لمنع اقامة مثل هذه الحفلات في الكاتدرائية".  

-اذاً، بازيليك القديس فنسان هي كاتدرائية "سابقة"، احد الصروح الدينية التاريخية التي "حُوّلت" لاستخدامات اخرى في السنوات الماضية في فرنسا، على غرار صروح اخرى. وفقا لتقرير نشره مجلس اساقفة فرنسا في ايلول 2016 (موقع Eglise Catholique en France) "يصل مجموع الكنائس الكاثوليكية إلى 42,258 في مختلف ارجاء البلاد. وبالنسبة الى "الكنائس المهجورة، فإن عددها يصل الى 255 منذ عام 1905".

ويلفت المجلس الى ان "عدد 255 يجب قراءته من منظور المجموع العام للكنائس في البلاد، اي 42,258 الف كنيسة، وايضا عدد الكنائس المبنية منذ 1905، وهو 1886 الفا". بموجب هذه الارقام، يجد ان "الوضع عموما ليس مأسويا بالقدر الذي يصفه بعضهم، خصوصا عندما يقولون بان كنائسنا مهددة بالخطر. غير ان يقظة حقيقية ضرورية، نظرا الى السنوات الماضية التي باتت اكثر صعوبة".

اذاً، 255 كنيسة "مهجورة"، وفقا لرقم رسمي. غير انه "لا يشمل الكنائس التي لم تعد تُستخدم كأماكن للعبادة عام 1905"، على ما يلفت موقع Observatoire du Patrimoine Religieux (مرصد التراث الديني). وفقا له، "أكثر من 500 كنيسة معرضة للخطر، ونحو 5 آلاف تحتاج الى اعمال ترميم طارئة" (5 آذار 2019). في الارقام ايضا، 95% من التراث الديني في فرنسا "كاثوليكي الطابع". هناك "90 الف عقار كنسي، 95% منها كاثوليكية. ومع نقص المال، تأمل الكنيسة بيع 10% (من هذه العقارات) بحلول 2030".

وفي وقت تضم لوائح المرصد عشرات الكنائس التي بيعت او ستباع (5 سنة 2019) او المهددة، او تلك التي حوّلت لاستخدامات اخرى، يذكر ان "20 كنيسة في المتوسط تباع سنويا، لتحوّل" لاستخدامات اخرى.  كذلك تنشر مدونة Patrimoine.blog.pelerin.info التي تلاحق اوضاع الكنائس في فرنسا، لائحة باسماء 12 كنيسة عرضت للبيع (تموز 2017)، اضافة الى 26 كنيسة تم تحويلها لاستخدامات اخرى.

-ولكن لماذا تباع الكنائس او تحوّل؟

وفقا لمرصد التراث الديني (23 شباط 2017)، "عندما يتم الحفاظ على كنيسة ما بطريقة سيئة، ولا تكون أعمال الترميم منتظمة، تستقر الرطوبة ويتفاقم تدهورها. وإذا لم يتم القيام بأي شيء بسرعة، يصبح المبنى خطيراً على الناس، بينما تتجاوز تكاليف إعادة تأهيله امكانات البلدة غير النشطة منذ سنوات. وبالتالي تجد نفسها مجبرة على إغلاق الكنيسة، بأمر من البلدية. وفي بعض الأحيان، تهمل الأبرشيات مبانيها الغير مستخدمة. وبعد بضع سنوات، يكون الحل الوحيد الهدم".

من جهته، يعزو مجلس اساقفة فرنسا حالات هجر الكنائس الى "ظاهرة التصحر في بعض المناطق الجغرافية، بخاصة المناطق الريفية، وايضا بسبب ظاهرة اعادة التجمع الرعوي للكنائس، أو لنوعية معمارية أقل".

-ويبقى سؤال اخير: هل صحيح ان المسيحية "ستنتهي تماماً في أوروبا بحلول سنة 2050 وفقا لبحاثة"، على ما يزعم البوست؟

وفقا لدراسة استشرافية نشرها مركز "بيو" للابحاث في 2 نيسان 2015، بعنوان:

The Future of World Religions: Population Growth Projections, 2010-2050 اي "مستقبل أديان العالم: توقعات النمو السكاني 2010-2050"، فإن "أوروبا هي المنطقة الوحيدة (في العالم) التي يتوقع أن ينخفض فيها إجمالي سكانها. ومن المتوقع أن يتقلص عدد المسيحيين فيها نحو 100 مليون شخص في العقود المقبلة، لينخفض من 553 مليونا إلى 454 مليونا.

عام 2050، من المتوقع أن يُعرّف نحو ثلثي مجموع الأوروبيين (65%) بأنفسهم أنهم مسيحيّون (وهذا لا يعني أن معظمهم سيكونون من رعايا الكنيسة المنتظمين)، في مقابل نحو ثلاثة أرباع حدّدوا بأنهم مسيحيون عام 2010.

وفي وقت يبقى المسيحيون أكبر مجموعة دينية في أوروبا، فمن المتوقع أن ينخفض عددهم من ثلاثة أرباع مجموع السكان إلى أقل من الثلثين. وبحلول 2050، من المتوقع أن يكون نحو ربع الأوروبيين (23%) من دون أي انتماء ديني، على ان يشكل المسلمون نحو 10% من سكان المنطقة، في ما يشكل ارتفاعا مقابل 5.9% عام 2010. وبالتالي سينمو عددهم من نحو 43 مليونا عام 2010 إلى 71 مليونا بحلول عام 2050، وفقا للتوقعات.

خلال الفترة ذاتها، من المتوقع ايضا ان يتضاعف تقريبا عدد الهندوس في أوروبا، من أقل بقليل من 1.4 مليونا (0.2% من سكان أوروبا) إلى نحو 2.7 مليونين (0,4%)، ويرجع ذلك أساسًا إلى الهجرة. كذلك، يبدو أن البوذيين يتجهون نحو نمو سريع مماثل في أوروبا، مع ارتفاع متوقع من 1.4 مليونا إلى 2.5 مليونين.

وهنا جدول نشره المركز حول النمو المتوقع للمجموعات الدينية الكبيرة في اوروبا، 2010- 2050.

النتيجة: اذًا، بموجب الدراسة الاستشرافية لمركز "بيو"، لن تنتهي المسيحية تماماً في أوروبا بحلول سنة 2050، كما يزعم البوست المتناقل. صحيح، صُوِّر فيديو الحفلة الراقصة عام 2016 في كاتدرائية بفرنسا، "لم تعد صرحا كاثوليكيا مكرّسا، بعدما حوّلت لاستخدامات اخرى ابتداء من ايار 2012".

hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard