الفصح في الميناء... معمول العيد ولا أشهى

27 نيسان 2019 | 21:25

المصدر: "النهار"

نسوة يصنعن معمول عيد ولا أشهى.

وأنت تعبُر أحياء الميناء القديمة في أسبوع الآلام، تعبق أجواء الأزقّة الضيّقة بروائح السمنة، تحمل معها أرج العطور كماء الورد وماء الزهر، والأطايب المختلفة، متصاعدةً من نوافذ البيوت التقليدية وطاقاتها. إنها عمليات تحضير الحلويات ختاماً لموسم الصوم الطويل الذي يستمر خمسين يوماً، وفيها تعبير متنوع ومتعدد عن المعاني التي تكتنزها المناسبة.

فالميناء، من جديد، تبدو مدينة التراث والعراقة، تحفظ حنايا أزقتها الضيقة الجميلة عبق التاريخ بأبعاده المختلفة، الاجتماعية، والتراثية، والدينية، وبالأخص الحياة الواحدة بين مختلف المكوّنات الاجتماعية فيها.

من هذا الجديد، إحياء تراثيات بدأت تتبدّد مع تقدّم الحداثة، ومن هذه التراثيات حلوى الأعياد التي تراجعت كثيراً ولم يبقَّ مَن يصنعها إلا بيوت قليلة؛ فاقمَ تراجعها غياب الأجيال التي مارست هذه التقاليد كجزء لا يتجزأ من ثقافتها وتقليدها المحلي، واعتماد الأجيال الحديثة على المصنّعات الجاهزة.

تفيد ماري رطل "النهار" أن تحضير حلوى العيد لم يتوقف نهائياً في مدينتها الميناء، وإن شهد تراجعاً كبيراً في العقود القليلة الماضية"، لاحِظةً أن "العديد من البيوت عادت تمارس هذا التقليد الجميل، توّاقة للتجمّع مع بعضها على تصنيع الحلوى والمأكولات التي ترمز إلى العيد".

وتتذكّر رطل كيف كانت والدتها الراحلة تنزع سجادة الصالون الواسعة لكي تنشر في الصالون أوعية النحاس المختلفة (تسمى اللكن) لأصناف العجائن، تليها صدور النحاس التي يُصفَّف على كل منها صنفٌ من أصناف المعمول المتنوعة، وأقراص التمر، وحلوى متعددة.

"كانت النساء يتجمّعن كل يوم في منزل، ويقمن بتحضير الحلوى، وينتقلن في اليوم التالي إلى منزل آخر، في أجواء من الألفة التي تترسخ في مناسبة الأعياد، وتستمر طوال أيام السنة، مولِّدة محبة، وتعاضداً اجتماعياً، قلَّ نظيره اليوم"، كما تقول رطل.

تعود رطل مع عدد من جاراتها لممارسة تصنيع الحلويات التي اعتدن عليها منذ زمن الأمهات، تحدوهن عناصر متعددة منها التوق للألفة، وقضاء الوقت بممارسات جميلة، وانعدام الثقة بما يمكن أن يقدّمه السوق من حلويات حلّت بديلاً من صناعة البيت، وتفيد أن العديد من النساء عدن لتصنيع الحلوى المنزلية في الميناء.

تتحدث رطل بشغف عما تذكره من تصنيع الحلوى، والبداية بتحضير العجائن التي يُستخدم فيها "السميد العادي" مع "السميد الفرخة" الأكثر نعومة، وبعض الخميرة، وفي كل وعاء (لَكَنْ)، صنف من العجين، وبعد الانتهاء، "نرسم عليه صورة الصليب بطرف اليد، ونتركه ١٢ ساعة".

وتروي رطل: "كانت النساء يتجمعن في صالون منزل العائلة، ومعهن قوالب الحلويات، وملقط نحاس للتخطيط، ويجري تصفيف كل صنف على صدر واسع من النحاس، وعند الانتهاء، تكون عدة صدور قد تجهزت، فيأتي الفرّان بعربة مقسمة عمودياً لعدّة رفوف، يتمّ في كل رفّ إدخال صدر من الصدور، فيجرّ عامل الفرن العربة، ومعه كنز الصناعة المنزلية كلها".

"كان على العائلة أن تحجز موعداً مسبقاً في الفرن نظراً لكثافة الطلب، وعليها أن ترسل حلوياتها في الوقت المحدد وإلا فقدت دورها"، قالت رطل إنّ "من أسباب تراجع تصنيع الحلوى خروج العائلات من بوتقة الأحياء التقليدية نحو الخارج الأوسع، فابتعدت عن الفرن، وبات إيصال الحلوى صعباً، ومع مرور الوقت، ترهّلت العائلات، وتوقفت عن تحضير الحلوى معتمدة على السوق".

لا تذكر رطل المعاني التي تشير إليها أشكال الحلويات، وبعضها اختفى، لكنّ شكلين منها رمزا إلى عملية الصلب التي تقوم احتفالية الموسم حولها، وهما، أولاً، الكعك المعروف بـ"المرقد"، وترمز استدارته إلى إكليل الشوك الذي وُضع على رأس السيد المسيح عند صلبه، بحسب الرواية المسيحية، وثانياً، المعمول بالقطع، فالقطعة الواحدة ترمز إلى لحظة الصلب، وهي تعبير عن العذابات التي عاناها السيد المسيح، والتي تتمحور روح المناسبة حولها.

وتعتقد رطل أن السكر الأبيض الناعم الذي يغطي "المعمول" هو رمز للفّ جسد المسيح بثوب الكتان الأبيض، العملية التي تتمّ في رتبة الجناز مساء يوم الجمعة العظيمة.

عادت رطل لممارسة تصنيع الحلوى في العامين المنصرمين، واجتمعت مع صديقات لها، يماسرن ما علّمتهن إياه أمهاتهن.

وفي العودة المستجدة لصناعة الحلويات، تحاول السيدات تذكّر عناصر كل صنف من الحلوى، وقد مرّت بعض السيدات بعدة تجارب، حتى توصلن إلى المناسيب التي كانت رائجة في السابق.

ويفيد ألبير توما أن "الحلويات في السنوات الأولى لم تكن بالمذاق الذي كنا نعرفه زمن السيدات القديمات، لكن تجارب عام بعد عام، مكّنت الأمّّهات من معرفة المناسيب، وأعتقد أننا عدنا إلى الحلوى التقليدية التي عشنا عليها في طفولتنا".

في الشارع العام، فرن "الشاطرية" الذي اعتمده السكان ماضياً لطبخ الحلويات، يقول المعلم فيه إن طبخ الحلوى تراجع كثيراً، لكنّ "عملنا مستمر بصيغ جديدة حيث نصنع الفطائر، والمعجنات، والمناقيش، وحلويات مختلفة، وقد عوّضنا بها فقدان طبخ الحلويات الموسمية".

وقريباً من فرن الشاطرية، يعرض غسان المالطي حلويات المناسبة من صنع يديه، ويكدّسها ملفوفة بالورق الشمعي الشفاف لمن يرغب، كما أنه يهيّئ حلويات للمنازل وفق الرغبة والطلب.

ممنوع إسكاتنا... أوقفونا ومنعونا و"النهار" مستمرة بالتغطية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard