أطباء ومسعفون في خطر: فيديو البابا فرنسيس، وتقارير ميدانيّة... "الوضع حرج للغاية"

26 نيسان 2019 | 15:20

المصدر: "النهار"

عناصر من "الخوذ البيض" يبحثون تحت أنقاض مبنى انهار في أعقاب انفجار في بلدة جسر الشغور غرب محافظة إدلب السورية (24 نيسان 2019، أ ف ب).

رائحة الدم في الانف، على اليدين. المهمّة على خطوط التماس، في مناطق النزاعات الاكثر دموية. أطباء، ممرضون وممرضات، مسعفون، رجال ونساء... يضعون حياتهم على المحك كل يوم، من أجل انقاذ الآخرين. منذ الاسبوع الاول لشهر نيسان 2019، خصّهم #البابا_فرنسيس بفيديو طلب فيه الصلاة من أجلهم، اينما وجدوا. "لنصلِّ من اجل الاطباء ومن يتعاونون معهم في المجال الانساني، في المناطق الممزّقة من جرّاء الحروب، ومن يخاطرون بحياتهم لانقاذ حياة الآخرين".

وهكذا كان. طوال شهر، لبّت #شبكة_صلاة_البابا_في_العالم الطلب البابوي، وواظبت على رفع الدعاء الى السماء، من اجل هؤلاء الابطال الذين اقسموا على الحفاظ على الحياة والدفاع عنها، حتى في أخطر الظروف. "وجود اطباء وممرضات وعاملين آخرين في مجال الصحة في مناطق مزقتها الحرب، علامة أمل"، بتعبير البابا فرنسيس. "انهم حكماء، شجعان، واناس طيبون، في اتمامهم لدعوتهم، يعملون في ظل ظروف قاسية جدا".

تهديد، توقيف، ضرب

وهذه الظروف قد تكون مهددة للحياة. من ارض المعركة، ترد تقارير موجعة، مقلقة جدا. "الوضع حرج للغاية"، على ما لخصت "طبيبة شابة"، مديرة مستشفى تدعمه منظمة "أطباء بلا حدود" في الغوطة الشرقية (5 آذار 2018). "الفريق الطبي مرهق، ولا يقدر على النوم، إما بسبب القتال، إما بسبب تدفق الضحايا. جميعهم خسروا وزناً بسبب قلة الطعام أو انعدامه. وقالت: يجب أن ينتهي هذا الوضع. لا يمكننا أن نواصل مشاهدة الأطفال وهم يُقتَلون".

في تقرير للمنظمة، "بلغ الجهد بهؤلاء الأطباء والممرضين مبلغه. لكنهم ما زالوا يقومون بعملهم بكل ما استطاعوا. أمامهم نقف جميعا خاشعين. لا تسعفني الكلمات لقول المزيد، ولم يبق لدي إلا أن أنقل الرسالة الواضحة التي سمعتها من ظُلمةِ وخوفِ قبو المستشفى: يجب أن ينتهي هذا الوضع".

حكايات الظلمة والفزع والالم تقضّ مضاجع كثيرين من الاطباء والمسعفين. روبين كوبلاند، الجراح الحربي، "ادرك تماماً ما معنى أن يكون المرء محاصراً في أوقات الصراع. ففي الصومال في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مارس عمله في غرفة العمليات، فيما كان زميله الواقف في جواره يتعرض لاطلاق رصاص. وروى: "لم تكن لدينا أكياس رمل. فاضطررنا الى أن نجمع صناديق سوائل الحقن الوريدي في أكوام خلف النوافذ".

من الشهادات الصادمة التي تنشرها ايضا منظمة "اطباء بلا حدود"، ما يتعرض له العاملون الصحيون من اخطار في مناطق النزاعات. "في سوريا وجنوب السودان واليمن وأفغانستان وغيرها من البلدان، تعرّضت المرافق الصحية للهجمات والنهب والتدمير. قُتل المرضى في أسرَّتِهم، وهوجِم العاملون الصحيون في أثناء إنقاذهم الجرحى...".

وتتوالى التقارير عن "تعرض موظفيها او مجمعاتها او المراكز الطبية التي تدعمها لهجمات"، لا سيما في اليمن والكونغو الديموقراطية وسوريا وغيرها. كذلك، تعلن اللجنة الدولية للصليب الاحمر، بالخط العريض، ان "الأطباء والممرضين وسائقي سيارات الإسعاف ومقدمي الإسعافات الأولية يتعرضون كل يوم في مناطق النزاع لخطر الهجمات، بينما يحاولون إنقاذ أرواح الناس. وقد يتعرضون للتهديد أو التوقيف أو الضرب، أو تتعرض مستشفياتهم للنهب أو التفجير. بعضهم غير قادر على العمل بسبب عدم توفر المستلزمات الطبية. وبعضهم يضطر الى الفرار خوفًا على حياته. والبعض الآخر قد يلقى حتفه" (11 ايلول 2017).

عندما أفكّر في ذلك اليوم

الروايات موثقة... اطباء ومسعفون يخبرون المعاناة:

-طبيب سوري (7 ك1 2016): "يشعر طاقمنا بأكمله بالهلع من الطائرات والغارات الجوية، ونستمر في تذكر أولئك الذين ماتوا. ونتساءل ما إذا كنا نحن اللاحقون. في بعض الحالات، أمضيت ساعات وأنا أختبئ في رواق دورة المياه في انتظار توقف الغارات".

-المعالج الفيزيائي مصطفى كرمان (تطوع في مستشفى الزهراء بحلب الشرقية، والمدعوم من المنظمة (ايلول 2016): "نتعرض للقصف في شكل يومي تقريباً. وقد تضررت جميع المرافق الطبية في المدينة. نفعل ما باستطاعتنا ونستخدم ما هو موجود لنقدم الرعاية الى الناس العالقين في المدينة. أصبحت الحياة في المدينة شبه مستحيلة. ونحن كطاقم طبي لا يمكننا أن نغادر المدينة ونترك الناس وراءنا."

-الدكتورة كاثلين توماس (عملت في مستشفى تابع للمنظمة في قندوز- 3 نيسان 2016): "عندما أفكّر في ذلك اليوم، أتذكّر رائحة الدماء التي كانت تعبق بها غرفة الطوارئ، وأيدي الأشخاص اليائسين الذين كانوا يتمسّكون بمئزري كي ألتفت اليهم، ويرجونني أن أساعد أحباءهم المصابين، وصراخ عائلة طفلٍ تلقى رصاصةً طائشة وعويلها، ولم نستطع إنقاذ حياته. وقد شعرت بالهلع وأنا أرى المزيد من المصابين يدخلون غرفة الطوارئ الممتلئة أصلاً. ورافقت هذا المشهد الكارثي اصوات أعيرةٍ نارية وانفجاراتٍ ضخمة حوّلت يومنا حجيما لا يُطاق".

-31 آذار 2017: "تعرض مستشفى اللطمانة في شمال حماه، والذي تدعمه المنظمة، للقصف من جراء هجوم جوي". "اسلحة كيميائية استخدمت"، وفقا للمعلومات. وقد قتل يومذاك شخصان، أحدهما طبيب، الدكتور درويش، وهو جراح العظام في المستشفى".

-17 ايلول 2018. المكان نيجيريا. اللجنة الدولية للصليب الأحمر دانت "بأشد العبارات مأساة قتل زميلتنا سيفورا حسيني أحمد خورسا التي خطفت. ودعت المجموعة المسلحة الخاطفة إلى الإفراج فوراً عن قابلة ثانية من موظفيها، وعاملة أخرى في مجال الرعاية الصحية، كانتا خطفتا في شمال شرق نيجيريا في آذار 2018".

"الرعاية الصحية في خطر"

غيض من فيض تقارير عما يتعرض له العاملون الصحيون في مناطق الحروب. نعم، "الرعاية الصحية في خطر". الصوت رفعته عاليا الرئيسة الدولية للمنظمة الدكتورة جوان ليو في جنيف (18/02/2016). "دعوني أكون واضحة: يجب أن تتوقف فوراً الهجمات على المدنيين والمستشفيات التي يعتبر وجودها حاجة ماسة لعلاج المرضى. وتطبيع هذه الهجمات أمر لا يمكن السماح به".

على غرارها، أطلق رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير ناقوس الخطر عندما صارح مجلس الأمن الدولي في 3 أيار 2016 بنيويورك. "يجب توفير الحماية لمرافق الرعاية الصحية وموظفيها". في الارقام التي عرضها يومذاك، "استهدف 2400 هجوم خلال ثلاث سنوات، مرضى وطواقم ومرافق ومركبات طبية في 11 بلدًا متضررًا من جرّاء اندلاع النزاعات. وهذا يعني وقوع أكثر من هجومين كل يوم على مدار السنوات الثلاث".

يومذاك، اصدر مجلس الأمن القرار الرقم 2286، في مواجهة "الهجمات العنيفة ضد الرعاية الصحية". ومع ذلك، استمرت "حوادث العنف ضد مرافق الرعاية الصحية أو طواقمها، بمعدل حادثة واحدة كل أسبوع منذ اقرار القرار" (اللجنة الدولية- ايار 2018). منذ ايار 2016 حتى ايار 2018، "استهدفت1200 حادثة عنف مرافق الرعاية الصحية أو طواقمها في 16 بلدًا فحسب".

ارقام مؤثرة اخرى. خلال عام 2018، سجلت منظمة الصحة العالمية 388 هجمة على الرعاية الصحية، 322 وفاة، 425 اصابة في 19 بلدا". بموجب "نظام مراقبة" على الانترنت أطلقته المنظمة لتسجيل الهجمات على الرعاية الصحية في البلدان المتأثرة بالنزاعات أو الأزمات، يسجل الآتي: "1070 هجمة، 207 وفاة، 1062 اصابة في 9 بلدان هي مالي، نيجيريا، الكونغو الديموقراطية، ليبيا، العراق، سوريا، افغانستان، اليمن، قطاع غزة والضفة الغربية.

التهديد متواصل. بالنسبة الى مبادرة "الرعاية الصحية في خطر" التي اطلقتها الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، يبقى "العنف ضد المرضى والعاملين في مجال الرعاية الصحية إحدى القضايا الإنسانية الأكثر خطورة والمغفلة في الوقت الحاضر".

وتتضامن معها اليوم شبكة صلاة البابا في العالم. الموقف ملح. "في اصعب الظروف، كما هي الحال في الحروب، نستطيع ان نجد امثلة عن الطيبة والكرم. الاطباء والمتعاونون معهم في المجال الانساني الذين يعملون وسط نزاعات مسلّحة هُم خير مثال. في هذه الاماكن التي يحارب فيها البعض للقتل، يناضل آخرون من اجل الحياة".

في كانون الثاني 2016، اطلق البابا فرنسيس "شبكة صلاة البابا في العالم. ويطل كل شهر في شريط فيديو يعلن فيه نية صلاة جديدة من اجل العالم. ويتولى فريق شبكته بالعربية تفعيل الصلاة في المنطقة العربية، انطلاقا من لبنان. حاليا، يتبع نحو 12,484 الف شخص صفحة الشبكة بالعربية في "الفايسبوك". ويتألف الفريق العربي من 9 اعضاء: المسؤول عن الشبكة في المنطقة العربية الاب زكي صادر اليسوعي، المسؤول عن المكتب الاعلامي للرهبانية اليسوعية في لبنان الاب جاد شبلي اليسوعي، الطبيب الدكتور هادي جلخ، المسؤولة عن مكتبة "داغر"-بكفيا كارلا داغر، الاختصاصي بالتسويق والاعلان ربيع كنعان، والمربية والمحرِّرة الصحافية ستيفاني جبر، الاخت ليزا قارح، جان دارك حبيقة، وسناء جحا.

Hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard