هولوغرام مكافحة الفساد

24 نيسان 2019 | 11:15

المصدر: النهار

وقف فوريّ لهدر المال العام بالعلن

قلَّةٌ منّا لم يروا الهولوغرام في المحال الكبرى أو المطارات، وهو رسمٌ متحرك وهميّ ثلاثيّ الأبعاد داخل شاشة كبيرة أو مجسّم طيفيّ ضوئيّ، يُخيَّل للناظر إليه أنه شخص طبيعي يتكلم ويتفاعل، بينما هو مجرد مزيج من الأطياف الضوئية فارغ المحتوى. بالرؤية نفسها يمكننا مقاربة ما دُرج على تسميته بـ"مكافحة الفساد".

إنّ ما شهدناه خلال الآونة الاخيرة من مساءلةٍ لبعض موظفي القطاع العام لا يعدو كونه ممارسات روتينية تقليدية في محاسبة أي مخطئ، فمن الطبيعي أن تقوم السلطات العدلية بمهامها في حال حدوث أية خروق للقوانين والأنظمة في شتى المجالات، لكن الأمر غير الطبيعي هو إطلاق مصطلح "مكافحة الفساد" على هذه الإجراءات.

إن مكافحة الفساد تقوم على وضع استراتيجية عامة للدولة هدفها، إلى جانب نشر الوعي الوطني، وقف الهدر وإعادة ما سُلب من المال العام، وضمان نظام حديث للإدارة العامة يجنب البلاد تكرار حدوث الفساد، أما الهولوغرام الذي نشهده اليوم فهو قائم على تخفيض التكاليف العامة وزيادة واردات الخزينة لا غير، من دون النظر إلى إقفال منافذ الهدر، فأموال الشعب لا تعالج ثقوبَ الإناء.

لا شكّ أنه يمكن، إن توافرت النوايا والإرادة، رسم سياسات عامة مختلفة لمكافحة الفساد، قد يكون أحد أشكالها استقلالاً تاماً وحصانة للجسم القضائي، وتعديل قانون محاكمة الرؤساء والوزراء، وقانون الإثراء غير المشروع، إضافة إلى وقف الهدر الحاصل في المال العام.

1 ـ الاستقلال القضائي

يعاني الجسم القضائي اللبناني من العديد من العقبات القانونية والتدخلات السياسية التي تعرقل مسيرته، تبدأ مع آليات التعيين من قِبل السلطة التنفيذية وتستمر مع الضغوط التي قد تمارسها السلطات السياسية والدينية عليه، إضافة إلى عدم تأمين الحصانة والحماية الكافيتين له.

فيكون بدء العمل لمكافحة الفساد، بالاعتراف بالسلطة القضائية كسلطة دستورية مستقلة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، وما يلي ذلك من فصل تامّ لهذه السلطات.

2 ـ قانون محاكمة الرؤساء والوزراء

إن مجرد الادعاء على رئيس أو وزير، حسب القانون الحالي، يتطلب توافق ثلث أعضاء مجلس النواب، والاتهام يتطلب الثلثين، وكأننا أمام تعديل للدستور.

لا بدّ من تعديل شروط الادعاء على الأقل ليصبح بإمكان أية جهة عامة أن تقوم بالادعاء في حال لحظت مخالفات تستدعي ذلك، كون الادعاء يتمّ في أروقة مجلس النواب، ومن ثم اعتماد ثلث عدد أعضاء مجلس النواب مثلاً لتوجيه الاتهام أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الذي أبصر النور منذ أيام قليلة.

3 ـ قانون الإثراء غير المشروع

قانون يلزم الشاكي بتقديم كفالة مصرفية بقيمة خمسة وعشرين مليون ليرة قبل تقديم الشكوى، ويغرّمه في حال تقرر منع المحاكمة عن المشكو ضده أو إبطال التعقبات بمبلغ لا يقل عن مئتي مليون ليرة وبالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، إضافة إلى حق المشكو ضده بالمطالبة بالتعويض. كما أن هذا القانون يحصر من له الصفة بالادعاء بناء على أحكامه، بالمتضرر، ولم يوضح مَن يُعتبر متضرراً من الاشتباه بالإثراء غير المشروع.

لا بدّ من إجراء تعديلات على القانون المذكور، ليكون قابلاً للتطبيق وإحدى ادوات مكافحة الفساد الفاعلة، بالرغم مما يتضمنه من أحكام جيدة لا سيما في المادتين الاولى والثامنة منه، إذ إنه يشمل كافة أشخاص الدولة من دون استثناء، كما أنه لا يتأثر بالحصانات القانونية والسرّية المصرفية، بل يتخطاها إلى كل ما لا ينص على خلافه الدستور.

ولا ضرورة للإصرار على إصدار قانون جديد لإلغاء السرّية المصرفية عن المتعاملين بالمال العام أمام وجود قانون ينصّ على ذلك، وتجاهل إمكانية رصد ممتلكات المسؤولين العقارية أو حصصهم وأسهمهم من الشركات التجارية التي يمكن الاستحصال على إفادات عنها بكل سهولة من السجلين العقاري والتجاري، التي قد تضاهي قيمتها ما يمكن أن يحوزه هؤلاء من أموال منقولة في المصارف.

4 ـ وقف فوريّ لهدر المال العام بالعلن

وغنيٌّ عن البحث والتحري الهدر الحاصل في كل من إيجارات المباني الحكومية وتلك المموَّلة من خزينة الدولة، رسوم الاستثمار الرمزية للأملاك العامة البحرية والبرية، رواتب موظفي بعض الإدارات والمؤسسات العامة الخيالية، السياسات المتبعة بالتعامل من المصارف المحلية بالإقراض والاقتراض، مخصصات الرؤساء والنواب والوزراء السابقين. إنْ تمّ البدء بهذه القائمة الأولية، فتلك بادرة بعدم وهمية الحديث عن مكافحة الفساد.

لكلٍّ منا الحق بالعيش في دولة تحترم حقوقه الأساسية وتؤمّنها له، وهذا يتمّ من خلال تضافر الجهود على المستويين الرسمي للدولة والشعبي للمواطنين، الذين هم أيضاً طرف أساسي في إرساء نظم الإدارة أو تجذير الفساد، كي لا تبقى كل المحاولات أطيافاً فارغة المحتوى.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard