معرض ندى صحناوي لدى "غاليري تانيت" في ذكرى 13 نيسان: كم من الممكن أن يدوم ما نحن فيه من حروب؟

22 نيسان 2019 | 13:35

ندى صحناوي.

ليست مصادفة أن يتزامن معرض ندى صحناوي، لدى "غاليري تانيت"، مع ذكرى إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بل يمكننا القول إن الأمر مقصود، على ما نعتقد، لكون ما نراه في المعرض المذكور يلتصق بتلك الفترة العصيبة من التاريخ اللبناني، التي طحنت الجميع، ولن يكون في الإمكان نسيانها بسهولة نظراً إلى ما خلّفته من عواقب نلمس تداعياتها حتى هذه اللحظة، بالرغم من إنتهائها المزعوم منذ ثلاثة عقود.

موضوع الحرب ليس جديداً لدى صحناوي، وكانت عالجته مرات عديدة. وربما زاد من زخم هذه المقاربة حقيقة كون الحروب والصراعات لا تزال تحيط بنا من كل جنب، مع ما تخلّفه من تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة. الربيع العربي، الذي لم يكن حرباً، بل كان وجهاً من وجوه الصراع من أجل حياة جديدة، وانتهى إلى ما يشبه المجهول، وإن كانت حلقاته تدور الآن في الجزائر والسودان؛ الحرب السورية وما ولّدته من مآسٍ في الداخل السوري؛ والارتباك في الداخل اللبناني...، هذه الأشياء كلّها حاضرة في المعرض الحالي، وكان لها مكان قبله لدى الفنانة، وإن بوجوه ومقاربات أخرى.



على أن الحرب لا تُرى في أعمال صحناوي في ارتقاءاتها الشكليّة، التمثيلية، كما كانت الحال لدى فنانين كثر، وفي أكثر من مكان وزمان ماضيين وحاليين. ذكّرنا هذا الأمر بأول أفلام المخرج الروسي الراحل أندره تاركوفسكي، الذي عنونه "طفولة إيفان"، حيث رأينا الحرب العظمى في عيني طفل وانفعالاته وضياعه، وعدم قدرته على فهم ما يجري، ولم نر قذائف وانفجارات وقتلى وأشلاء. مداخل الفنانة إلى الموضوع لا تعدو كونها مفهوميّة، وهي في حاجة، بطبيعة الحال، إلى تفسير، ولو إلى حدٍّ معيّن، وهذه المهمّة أخذت بعض مفاصلها على عاتقها ماري طنب، وأوردتها في النشرة التي يمكن الإطّلاع عليها في صالة العرض، والتي تضمّنت الظروف والمسببات لتكوّن الأعمال، وأسلوب تعاطي صحناوي مع الحدث.

بيد أن الإنعكاس التشكيلي للموضوع يذهب في أكثر من اتجاه. ما من شك أن ثيمة الحرب وملحقاتها صالحة لتفاعلات عديدة، تبدأ عند صحناوي بالتصوير، وتمرّ عبر التجهيز، وصولاً إلى الفيديو. وفي هذه الأشكال التعبيرية كلّها يلعب الرمز دوراً فاعلاً، انطلاقاً من الأسلوب المذكور أعلاه. مجموعة الأعمال التي نراها فور ولوجنا إلى صالة العرض، أطلقت عليها تسمية How many .. how many more ، التي هي في الواقع عنوان ينضوي تحت لوائه المعرض بكامله، هي عبارة عن لوحات كبيرة الحجم ذات طابع تصويري شكلي، اعتمدت مواد مختلفة. ولو شئنا تبسيط وصفها، لقلنا إنها ذات خطوط أفقيّة غير مستقيمة، تملأها خطوط أخرى صغيرة، متنوّعة الحجم والتقميش، لكونها اعتمدت، في ما اعتمدت، الإلصاق والعجينة اللونيّة، وساعات يد وأشياء أخرى، وذلك على نحو عمودي. قد تخطر في بالنا، إزاء ما نرى، خربشات من دفتر طفولي، أو كتابات هيروغليفية من نوع خاص، أو ما يخطّه السجناء على جدران زنازينهم بهدف احتسابهم أيام الحبس الممنوعة عن الحريّة، أو حصائر الرصاص التي تستهلكها البنادق. نحن الآن في صدد إيجاد تواردات ذهنية لعمل يندرج في مقام التجريد، ويُخيّل إلينا، استناداً إلى هذه التواردات المذكورة، وإلى المزاج العام للمعرض، أن هذه الخطوط الصغيرة قد تمتد إلى لا نهاية، أو بالأحرى: "كم من الممكن أن يدوم ما نحن فيه" – عنوان المعرض مصوغاً بالعربية، بحسب ما نرتئي من ترجمة للتسمية الإنكليزية.

وبما أن هذه الخطوط غير قابلة للجم في إطار اللوحة، الذي يلعب دوراً محايداً هنا، ففي إمكانها أن تمتد أبعد منه، وتلتف، في صالة العرض، إلى الجدار الذي تتكرر فيه، هذه المرّة، وضمن أسلوب التجهيز، سلسلة من عوادم السيارات تصطفّ جنباً إلى جنب، مختلفة الأحجام ومطليّة بالأبيض، بدلاً من السواد الذي يجمعها مع لون الدخان الذي تنفثه في الهواء، وفي رئاتنا المتعبة. إشارة إلى الهمّ البيئي وإلى محيطنا الطبيعي المريض؟ ربما. إذ ليس من الممكن أن يذهب تأويلنا في اتجاه آخر. هل يمكن الحديث عن كل ما سبق علانية من دون خوف ولا رهبة، وتوجيه النقد إلى من يساهم في صناعة الشواذ وتغذيته؟ قد يأتينا الجواب في نهاية المعرض، من على الحائط الذي عُلّقت عليه مجموعة صحيفة L'Orient LE JOUR ، وقد طُليت باللون بعض أجزاء صفحاتها الأساسية، هل هو نوع من الرقابة الرسمية أو الذاتيّة، أو عدم الحاجة إلى قراءة أخبار متكررة عن أوضاع سيئة مكرورة، أو هو موقف ذاتي تجاه أمور معيّنة؟ لدى رؤية أعمال ندى صحناوي يجب علينا أن نستعمل خيالنا، وأن نتساءل، كما تتساءل الفنانة نفسها.

ثيمة الحرب وملحقاتها صالحة لتفاعلات عديدة، تبدأ عند صحناوي بالتصوير، وتمرّ عبر التجهيز، وصولاً إلى الفيديو. وفي هذه الأشكال التعبيرية كلّها يلعب الرمز دوراً فاعلاً.



بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard