لا تدعوهم يسرقون الفرحة مرة أخرى

12 نيسان 2019 | 15:25

متظاهر جزائري. (ا ف ب).

عين على الجزائر وعين على السودان. والقلب قلق على الاثنين معا.

تعود بي الذاكرة الى يوم سقوط مبارك في كانون الثاني 2010. لا أزال اسمع صديقي كمال وهو يصرخ على الهاتف من ميدان التحرير: "الشعب المصري العظيم اسقط الديكتاتور يا غسان". كانت فرحته لا توصف، بعدما امضى معظم حياته يناضل من اجل الحريات النقابية والديموقراطية في مصر.

فرحتي ايضا كانت لا توصف ايضا. فقررت ان أحتفل بعيد العمال في مصر حيث كانت الحركة النقابية المستقلة قد قررت الاحتفال بالعيد في ميدان التحرير. لم نكن قد بدأنا بالاحتفال بعد، حتى راح بعض "البلطجية" كما يسمّونهم في مصر، يرمون الزجاج الفارغ علينا وعلى المنصة لمنع تنظيم الاحتفال.

كان المجلس العسكري يحكم آنذاك كمرحلة انتقالية بعد الثورة. بدأ يظهر ان هذا المجلس متعاطف مع اتحاد عمال مصر الذي كان مواليا للسلطة أيام مبارك، إذ قرر إرسال ممثليه لحضور احتفال العيد الذي ينظمه هذا الاتحاد. في حين انه لم يعط إشارة إيجابية حول احتفال النقابات المستقلة عن السلطة التي كانت طرفا أساسيا في الثورة.

بعدما فهمنا رسالة "البلطجية" ومن ورائهم المجلس العسكري، اكملنا الاحتفال ونحن نتجول ونهتف شعارات العيد حول ميدان التحرير، بعيدا عن المنصة المعدة لذلك. رحت من وقتها اسمع بعض الهتافات المنددة بالعسكر: "يسقط يسقط حكم العسكر".

وكان ما كان، وجرت الانتخابات النيابية والرئاسية، وانتخب مرشح "الأخوان المسلمين" رئيسا. بعد ذلك حصلت انتفاضة كبيرة على حكم "الإخوان"، وُضع على اثرها رئيس الجمهورية في السجن، وتوِّج بنتيجتها السيسي، القادم من قيادة الجيش، رئيسا للجمهورية.

بدأ حكم العسكر المباشر لمصر وهو مستمر حتى الآن. وقد تميز هذا الحكم بإعادة الاعتبار إلى مبارك وأولاده وباعتقال وسجن ابرز محركي ثورة كانون الثاني من الشباب وبالتضييق على الحريات الديموقراطية والنقابية والصحافية والشخصية.

***

بعد سقوط بوتفليقة في الجزائر والبشير في السودان بفعل الانتفاضتين الشعبيتين، كل الخوف اليوم من ان يتسلم الجيش الحكم في البلدين، في استعادة للتجربة المصرية. لكن يبدو ان الشعبين قد احتاطا للأمر وتتعاطى قيادتهما حتى الآن بحزم ضد حصول هذا الاحتمال.

لكن يجب عدم استباق الأمور بتوقعات متسرعة، كما حصل بعد الربيع العربي مباشرة. فالتوقعات ابنة التحليلات التي تقلل عادة، وهي في ذروة حماستها، أهمية العنف، وعنف الجيش تحديدا، في تحويل مسارات الانتفاضات الشعبية السلمية. الثورة السورية هي ابرز مثل على ذلك.

ليس المكان هنا لتحليل ظاهرة تدخل الجيوش العربية في حكم بلدانها، وعلاقة ذلك بالصراع مع إسرائيل أو بالتحرر من الاستعمار او بالارتباط لاحقا بالخارج او بمصالح الجيش الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من العوامل المتصلة بواقع البلدان العربية.

فمهما اختلفت التحليلات حول الظاهرة، دلت التجارب المتكررة على خطورة حكم العسكر للمجتمعات، على مستوى الديموقراطية والحريات العامة والشخصية، وكذلك على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

***

أخلدت الى النوم منذ يومين، وفي مخيلتي هذه الصبية السودانية بلباسها الابيض، تخطب وتستنهض شعبها من اجل الحرية والديموقراطية والعيش الكريم، في جو من الأمل والفرح.

وصحوت من النوم على خبر الانقلاب العسكري ومشهد الدبابات والجزمات والوجوه العابسة.

اجمل تعليق سوداني قرأته بعد الانقلاب، هو اتهام الجيش بأنه "سارق الفرحة". فرحة المواطنين بلقائهم بعضهم مع بعض، في ما يشبه الاحتفالية رقصا وغناء. فرحتهم بقدرتهم على التعبير بحرية. فرحتهم بإحساسهم انهم يصنعون حياتهم، وبأملهم بغد افضل بعيدا من الاستبداد والخوف والعوز.

انهم يحاولون سرقة الفرحة في السودان والجزائر، بعدما نجحوا وسرقوها في مصر وسوريا واليمن وليبيا.

***

رجاء، يا أصدقائي في الجزائر والسودان، لا تدعوهم يسرقون فرحتكم، وفرحة كل الشعوب العربية معكم.

ردّوا الاعتبار إلى الشعب العربي، إلى الربيع العربي، إلى فكرة اننا نحن ايضا كعرب، ومثل باقي الشعوب، متمسكون بكرامتنا وحرياتنا وعدالة مجتمعاتنا.

لا تثقوا بحكم العسكر. صحيح انهم أبناء شعبكم وحماة حدودكم ويستحقون على ذلك كل تقدير، لكنهم مدربون على الحرب وليس على السلم. على تلقي الأوامر وليس على الحوار. على إلغاء الخصم وليس على منافسته ديموقراطيا. على التراتبية وليس على المساواة.

أخطر من كل ذلك، انهم مدربون على حمل السلاح. السلاح هو رفيقهم الدائم والمتحدث الرسمي باسمهم.

والسلاح، يا أصدقائي لا يقتل الآخر فقط، إنما يقتل صاحبه ايضا لأنه يحل محله.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard