رسالة إلى أبي حجر: نحن المشردون وأنت الحرّ

12 نيسان 2019 | 14:45

المصدر: "النهار"

صورة لأبي حجر مع جندل.

أكتب إليك وأنا مملوء بالخيبة والقهر والانتظار، يا أبا حجر.

صحيح أننا هربنا من البلد، لكننا اكتشفنا هنا أننا لا يمكن أن نهرب من تاريخنا هناك، حيث يجري تصنيف الناس بين خائن وعميل ومخبر ووطني وغير وطني.

كلّنا مثلك، وأنت تجرّ أسمالك البالية، يا أبا حجر، أيها المشرد الفقير النبيل. كلنا مثلك مشردون، مشردون بربطة عنق ورائحة عطر.

مشردون في دورات اللغة ونحن نعارك أسرارها بعد عمر الخمسين.

مشردون جميعاً في بلاد غريبة جميلة جداً لكنها تشبه المقابر.

على رغم وجود كل أنواع الورود في العالم هنا، وعلى رغم الربيع، أحياناً لا أشمّ في الطبيعة سوى رائحة الجثث، التي أحرقها هتلر في الحرب العالمية الثانية في الهولوكست المريع، حين كان يعتقد أنه سيكون سيد العالم.

آه يا أبا حجر، اسأل العقلاء من حولك عن عدد الذين يحبّون هتلر حتى الآن.

صدِّقني، هتلر سوريا الحقيقي موجود في كل حالة كذب وفساد وقهر وعنف، كما هو موجود في صورة القائد المخصي.

نعم، أنا مثلك مشرد بلباس نظيف وحمّام يومي وراتب مساعدات محترم، لكنني أشعر بأني بلا أرض، كأني أمشي في الفراغ الكبير.

التشرد هو هوية هذا العالم الراهن، يا أبا حجر.

ها هي أوروبا تبني جدارها الخاص في البحر المتوسط، بعدما بدأ ترامب السيد الأبيض في بناء جداره العازل، حيث صار على اللاجئين أن يموتوا بهدوء بدون ضجة سياسية، حتى لا يزعجوا قادة العالم.

ها هي السيدة ميركل تعترف بأنها أخطأت عندما استقبلت في عام 2015 مليون لاجئ.

ها نحن كسوريين ينهش بعضنا لحوم بعضنا في المهاجر، حيث نقلنا معنا الكذب والغش والخداع والحقد والتفاهة، وهنا تعلمنا بسرعة أساليب التهرب الضريبي، وذلك كلما فتح أحدنا دكّانا. هنا فهمنا أن الإندماج لغة فقط، على رغم إصرار البشر هنا على تعليمنا معاني الإنسانية مع اللغة.

هنا نعيش يا أبا حجر في بيوت نظيفة، لكننا حملنا معنا كل جهل التاريخ القديم والحديث. كلما اقترب أحد من مناقشة مسألة دينية، اكتشف أن "داعش" لا يزال في دواخلنا العفنة حيّاً قوياً.

حرّ أنت يا أبا حجر في تشردك، ونحن هنا عبيد الجهل والتعالي والغباء والتذاكي والتفاخر.

صدِّقني يا أبا حجر، كثرٌ يتمنون أن يملكوا شجاعتك ويختاروا التشرد الدائم في الحياة، حيث تجدهم الآن مثل الحمير مربوطين بثرواتهم ونسائهم ومخاوفهم، ينامون في شقق فاخرة تشبه السجون في كل شيء.

أسألك يا صديق الجميع في لحظات صدقهم النادرة، يا صديق الشوارع والأرصفة المتعبة، يا صديق الأوراق المحروقة والغبار.

هنا في ألمانيا آلاف المشردين مثلك تماماً.

لكن مع وجود الدولة هنا، لا يمكن لأحد أن يزعج مشرداً ينام على رصيف، بينما في بلاد القهر الأسدي يمكن لأيّ فأرٍ بعثي أن يزعج أي إنسان.

هنا مات هتلر، لكن ذاكرة الناس لا تزال مريضة، وتسأل عن الأسباب التي جعلت هتلر يقود ألمانيا بذلك الشكل الكارثي.

جئنا إلى هنا نحمل معنا كل وسخ التاريخ، لكننا على رغم ذلك نريد النقاش في عمق الأخلاق، بينما يسرق الأخ أخاه جهاراً نهاراً.

هنا نتابع الأخبار لنشعر بوجودنا، بينما سوريا صارت ليست خبراً في نشرات الأخبار، بعدما تمكن الذئب من قتل ليلى وجدّتها، وابتلع فوق ذلك الحكاية.

نحن البؤساء وفيكتور هوغو مات.

نحن العبيد على رغم الحرية التي نتغني بها.

آه يا أبا حجر، لو نتجرأ جميعاً ونسأل أنفسنا عن العنصرية في داخلنا، وعن العنصرية التي يمارسها بعضنا تجاه بعض.

ربما تقول يا أبا حجر إنني متشائم. معك حق نسبياً. ولكن، ماذا أفعل وأنا أرى المشهد من زواياه الحزينة والمأسوية.

نحن هنا يا أبا حجر، وكي نعود إلى رشدنا كبشر، نحتاج إلى الكثير من الشجاعة والتشرد الحقيقي والجرأة، نحتاج إلى مقبرة لجهلنا الكبير بالعالم، كما نحتاج إلى مقبرة إضافية لنقبر فيها كراهيتنا لبعضنا. بعد ذلك، ربما تنبت فكرة التفاؤل في المنافي.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard