المؤسسات العامة في لبنان، فوضى منظّمة.

12 نيسان 2019 | 09:59

المصدر: النهار

الادارة العامة، كما يدل اسمها، هي علم و فن

الادارة العامة، كما يدل اسمها، هي علم و فن تعنى بادارة و تتظيم مؤسسات و هيئات الشأن العام في الدولة بهدف حماية المواطن و تقديم أفضل خدمة ممكنة له. كما تعنى باختيار أفضل الاساليب لتحقيق أهدافها.

وقد دأبت معظم أنظمة الادارة العامة في العالم على اعتماد هيكل مزدوج يجمع ما بين السلطة المركزية، التي تعنى بأمور السياسة و الأمن و المصالح العليا، و السلطة اللامركزية و يسند اليها القيام بمهام محلية اقليمية كالبلديات او اخرى مصلحية مرفقية عرفت بالمؤسسات العامة و الهيئات المشابهة.

وقد عرف لبنان اللامركزية المرفقة منذ خمسينات القرن الماضي مع المصالح العامة و المشتركة و الجامعة اللبنانية و غيرها، الى ان اتى مرسوم تنظيم المؤسسات العامة في العام 1972، وهو مشوب بعيوب عدة لا مجال للنقاش فيها الان. وقد انشئت العديد من الهيئات و المؤسسات اللامركزية بعد صدور هذا المرسوم و استثنيت من الخضوع لأحكامه. لا شك بأن اي باحث في موضوع المؤسسات العامة في لبنان سيواجه العديد من العقبات أولها تحديد عددها، و مدى فاعليتها و ضرورتها، كما تحديد الطبيعة القانونية للكثير منها و من الهيئات و الصناديق و المجالس.

بعيدا عن البحث القانوني الصرف، و تماشيا مع أجواء مكافحة الفساد الحالية، يطرح سؤال عن دور المؤسسات العامة و الهيئات الشبيهة في مكافحة او تجذير الفساد و صون او هدر المال العام، وهل هذه الفوضى هي وليدة الصدفة و الاهمال، ام انها منظمة لاهداف لا يمكن وصفها بالوطنية.

ومن باب النقد الذاتي و محاولة القاء الضوء على الجانب السلبي في ممارسات اللامركزية المرفقية، فان القلّة من هذه المؤسسات هي فعلا تؤدي دورا رائدا و تعتبر ادوات ايجابية للادارة العامة بالمفهوم الأكاديمي، وهي تشكر على ذلك. اما السواد الاعظم منها، فهو يتخبط اما بنقص التمويل و الموارد البشرية، و اما بتدخل الادارة المركزية (الوزراء) في عملها، واما يعتريها الفساد المزمن.

و لفهم اعمق، لا بد من ذكر الاسباب التي اوجبت انشاء هيئات مستقلة عن الادارة المركزية، ولعل ابرزها الاستقلال المالي و الاداري، اضافة الى اعفائها من العديد من احكام قانون المحاسبة العمومية، سيما ما يتصل بادارة المناقصات. هذا الاعفاء الذي وجد اصلا لتسهيل عمل المؤسسة العامة و اخراجها من بطء الروتين الاداري، كان غير مرة سببا لشلل المؤسسة و تدخل الادارة المركزية غير الشرعي. و الامثلة كثيرة منها اعتبار مجلس شورى الدولة تدخل الوزارة في آلية المناقصات التي طرحتها المؤسسة المرتبطة بها يعتبر واقعة تخرج المناقصة من دائرة المؤسسة لتجعلها تابعة للوزارة و بالتالي لا بد من اجرائها من خلال ادارة المناقصات، الامر الذي تتم محاولة تفاديه اليوم من خلال مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة الحالية لاخراج مناقصات الكهرباء من كنف ادارة المناقصات و قانون المحاسبة العمومية بموجب قانون! اذا الادارة المركزية في نفسها غير مقتنعة بفاعلية تلك اللامركزية و تكتفي بالهروب الى الامام و تفريغ المؤسسات العامة و الهيئات المشابهة من صلاحياتها تارة باهمالها و طورا بالتعدي على صلاحياتها.

ومن جهة اخرى، تمارس بعض هذه الهيئات سياسة الصندوق الاسود، فتضرب عرض الحائط بالصلاحية الرقابية للوزارة عليها، فتجد التوظيف العشوائي غير المبرر و الرواتب الخيالية لموظفيها و بدلات الايجار السافرة لمبانيها، بالموازاة مع فشلها في تحقيق الغايات التي انشئت من اجلها. و العدد الهائل لهذه المؤسسات التي لم نسمع بالعديد منها يوما، ما هو الا هدر قد يكون منظما و مقصودا لتنفيعات غير وطنية.

و بالعودة الى مكافحة الهدر و الفساد، ما المانع من انشاء هيئة وزارية او لجنة نيابية لتقصي اوضاع المؤسسات العامة و الشبيهة من مجالس و صناديق و هيئات، تقف على مدى ضرورة ابقائها او الغاء بعضها او دمجه. أليست الصلاحية التي أعطتها الحكومة لنفسها في العام 1972 بانشاء المؤسسات العامة، وهي صلاحية غير قانونية اصلا حسب رأي معظم الفقه الاداري، كفيلة بالغاء المؤسسات غير الضرورية، و العمل على ايقاف بعض هدر المال العام قبل التوجه الى زيادة واردات الدولة من خلال الضرائب و الرسوم الاضافية او المساس برواتب المواطنين و اموالهم؟ سؤال برسم رجالات الادارة العامة.

هذه الحركات... من أكثر طلبات النساء

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard