ملاذٌ.. وأشياء ثم ماذا...؟

10 نيسان 2019 | 11:43

ما زالت في مخيلتي فتاة قابعة في حجرة تعج بصوتي أبٍ وأمٍ

ما زالت في مخيلتي فتاة قابعة في حجرة تعج بصوتي أبٍ وأمٍ، بأويقات النهار أو بقلب الليل، وما زالت عيناي ترمقان كل همسة يتهامسان بها لتترك بصمةً داخل روحي...

هاكِ الطفلة هي أنا، ذات اليد الناعمة والمقلتين المفعمتين بالحنوّ والجبهة الصغيرة في مواجهة الحياة... هاكِ أنا أنظر يمنةً فأجد أمي تحلم بنجاح مشروعها القادم، ويسرةً فأجد أبي في جموحٍ لتحقيق حلمه. أحلام... أحلام... وما إن ترويت لأرتمي بحضن أمي، إلا وأسدت لي يدها تربت على كتفي، ثم سرعان ما دلفت إلى مستقبلها. كرِهتُ الأحلام، وأضحيت أعزف عن النوم.

وفي يوم سألت أبي: لماذا يا أبي أنت وأمي تركضان ركضًا واضعين أحلامكما بمكانةٍ بعيدة المنال؟ قال لي: حتى نبني لكم المستقبل. إن لكل أدوار العالم عداً، فلماذا إذاً ليس لأبنية المستقبل من الأدوار عد؟ لقد تداخلت بنفسي أصوات الحاضر والمستقبل وتشوش حاضري في غيابات الآمال. كلما تحقق لأبي وأمي حلم، يسعدا هُنيهة لوصولهما لهدفهما، ثم يلحقان سريعًا بركب المستقبل دونما أن يسعدا في الطريق. إننا نعمل لنأكل، ولكن يبدو أننا تركنا العمل يأكلنا. إن الأبوين يتاجران ليربحا بلا حدود، ظانين أنهما يعمقان بذلك خطواتنا بالحياة، ولكن في ما يبدو إنهما يتاجران بأحلامنا!

ظللت أتجول بالحياة وحدي. تسميني بأسماءٍ لا تتجانس مع نفسي، ولكني أحيا، استعذبت الحياة بلا مقلةٍ ترمقني. علمتني الحياة فهي مرتع خصب لمن أراد التعلم. وبرغم كل شيء كُنت.. كُنت أنا.. نفسي.. ولكني اتخذت عهدًا أن أحياها بحاضرها، وبخاصة بعدما رأيت الشيب قد كسا أوصال أبي وأمي.. وبرغم ذلك ما زالا مسافرين بركب المستقبل.. جثوت أنهل من الأموال نهلًا.. ركبت أفخم السيارات، وأوتيت بدورٍ لا مثيل لها.. ولكن ما زال شيئًا في نفسي يمقت تلك الثروة التي استرقت طفولتي... كبرت، ولكن سري بداخلي فهمٌ متعمقٌ للحياة.. حين أنحتُ بها لأعمق بصمتي... سرعان ما أتوقف لأنظر لجمالها وهوائها المتخلل أعماقي وأستنشق الصعداء المعطرة بكل أريج الزهور.. وأرفع رأسي لأمتع ناظري بسمائها .. ثم أطأطئ رأسي لأنظر لقدميّ تداعب أمواجها... علمتني حينما أبكي أتوقف قليلًا ألثم أدمعي وأبتسم... وحينما أعدو لا بد أن أترفق بأنفاسي المتوالية.. وحينما تثقلني هموم الدنيا.. أتمهل لأخفف أحمالي ويصفو عيشي ثم أسير... لقد علمتني الحياة كل الأشياء، ولكنها حفرت بداخلي شيء، أنه ما من شكٍ أن هناك جيلًا يشقى ليسعد جيلٌ آخر... هذا إن اتفقنا أن المال يضفي السعادة على كل الأشياء.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard