"وثيقة الأخوة الإنسانية وضياع الفرص لبنانياً"

7 نيسان 2019 | 22:01

وثيقة الأخوة الإنسانية.

هذا دأبنا نحن اللبنانيين، كالنحل الذي يستدعيه الرحيق ليحيله عسلاً طيباً مصفًّى. نمتلك حساسية إيجابية وانشداداً محموداً تجاه كل ما هو بهي في عالم الحوار، وجميل في آفاق اللقاء الإسلامي المسيحي.

تلقائياً ترانا نتحرك وكأننا، بل لأننا وبحق، الأوصياء على عهد الله ووصيته بالعيش وبجدارة تحملنا أمانة هذا التعايش بين الديانات والحضارات والثقافات. وإن هذا اللقاء المنعقد تحت عنوان " قراءة في وثيقة الأخوة الإنسانية". هو من هذا الشهد الذي يستسيغه اللبنانيون، لأن لقاءً مهماً بين كبيرين هما قداسة البابا فرنسيس الجالس على كرسيّ القديس بطرس، وبين سماحة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. حتى تاريخه لم أسمع ولم أقرأ عن ندوة بحثية أو اهتمام استثنائي بهذا الحدث قد حصل في أي منتدى أو مركز ثقافي في عالم العرب والمسلمين والمسيحيين، بل إنه من لبنان خرجت دعوات ورسائل وبرقيات الترحيب والتأييد كانت قد صدرت عن فخامة رئيس البلاد ودولة رئيس مجلس النواب والحكومة وشخصيات دينية وفكرية.

في ورقتي هذه أود أن أُشير إلى أنني اخترت عنواناً لمشاركتي في هذا اللقاء "وثيقة الأخوة الإنسانية وضياع الفرص لبنانياً"، لأنه وبصراحة أراني اعتقد أن البلد المؤهل لإعلانٍ كهذا هو لبنان مع عظيم تقديري لمبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة لعقدها هذا اللقاء، إلا أنه ولمناسبة هذا العيد المبارك عيد البشارة الذي نحتفل به على اسم البتول مريم (ع) سيدة نساء العالمين، مسلمين ومسيحيين، أود أن أشير إلى ما يلي:

إن روحية النص عن اللقاء بين الأديان هي نتاج لرؤية المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد في 17 كانون الأول 1965، بعنوان علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية، وقد ورد فيه: " وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحيّ القيوم الرحيم الضابط الكل، خالق السماء والأرض المكلّم البشر، ويجتهدون في أن يخضعوا بكليتهم حتى لأوامر الله الخفية كما يخضع له إبراهيم الذي يُستند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي، وانهم يجلّون يسوع، كنبّي وإن لم يعترفوا به كإله، يكرّمون أمه مريم العذراء إلى أن يقول: فالمجمع المقدّس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بإخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معاً العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية، والسلام والحرية لفائدة جميع الناس".


إن نصاً كالذي وقّعه البابا وشيخ الأزهر، يجب أن يكون وليداً ونتاجاً لتجربة حياة معاشة كي يخرج من إطار الحرفية الجامدة الباردة، وهي التي قال الإنجيل عنها: "إن الحرف يقتل والروح يحيي"، إلى آفاق حرارة العيش والتفاعل بين أبناء الإسلام والمسيحية.

لذا أعتقد أن بلداً فريد التجربة كلبنان كان الأولى به أن يكون منصة هذا اللقاء وهذه الوثيقة.

كي يكون نموذج الاستشهاد بحقيقة مضامين الوثيقة حاضراً حيّاً ولا انتقص من أيٍّ كان، أراني ملزماً أن أقول ما أعتقده وأظنه من أن كنائس تشاد من أجل الوافدين من آسيا إلى سوق العمالة في دول الخليج العربية ليس كافياً لنرسل إلى هذا العالم المضطرب رسالة لقاء وتعاون، خاصة مع كمٍّ من الاشكالات ليس هنا مجال سردها.

هنا فقط في لبنان ومع لحظ حياة مشتركة في هذا القوس الممتد من انطاكية مدينة الله إلى مصر، يمكن لنا أن نباهي أمم الأرض وشعوبها بهذا السفر الخالد الضارب بعمق أربعة عشر قرناً من حياة مشتركة بين مسلمين ومسيحيين.

يقول المونسنيور ميشال حايك: "في الواقع لبنان استقبل ويستقبل كل إثنيات الشرق وجميع هؤلاء يتمكنون من تأكيد شخصيتهم، ويمارسون حريتهم فيه، لأن لبنان تمكن من أن يكون رمز الكونية"، من محاضرة له عام 1977، بعنوان الموارنة من أجل الحرية والأرض يموتون.

أي بلد كان أجدر من لبنان يتبنى هذه الوثيقة، لبنان الذي حمل بشرف هذه الأمانة، هنا فقط قيل على لسان الإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي كان صاحب أول عمامة مسلمة تدخل الفاتيكان خلال حفل تنصيب البابا بولس السادس عام 1963، وهو الذي زار وحاضر تحت الصليب، ليس في أقل من عُشر كنائس لبنان، الذي يقول: "إننا قبلنا أمانة الله وأمانة الإنسان التي هي وحدتنا الوطنية الشاملة للمسلمين والمسيحيين، قبلناها وحدنا بين بلاد الله كلها وكنا نعرف صعوباتها ومسؤولياتها، وكذلك أصبحنا موضع آمال العالم ومثالاً متجسداً لمستقبله وواحة نموذجية لحضارته المستقبلية.

لبنان والإرشاد الرسولي الذي وضع في السنودس المنعقد لأجل لبنان، والذي دُعي إليه في 12 حزيران 1991، من لبنان إلى العالم وثيقة أخوة إنسانية عملية مصاغة تفاصيلها على إيقاع حياة يومية أنجزتها سواعد وعقول وإرادة أناس شاءت العناية الإلهية أن يكونوا هنا في ذات الحقول والمصانع والجامعة والجيش والساحات والميادين.

هنا التقوا ليُنشئوا دولة ومؤسسات على الرغم مما تعانيه هذه الدولة في الساحة الوحيدة على الكوكب، قدموا الأنموذج الأوحد للقاء منتج على الرغم من كل العثرات والمعوّقات إلى أنه صامد باقٍ بالإرادة والعزم الذي يتجلى بإسقاط كل مقولات التقسيم والكانتونات والفيدراليات والدولة الدينية الثيوقراطية.

من هنا إلى الأمم المتحدة حيث ألقى رئيس لبنان المسيحي الراحل سليمان فرنجية كلمة العرب في الأمم المتحدة عام 1974.

هنا على منابر لبنان وساحاته ومساجده وكنائسه صدح صوت الإمام الصدر رسولاً وداعياً ومنظراً لهذا العيش.

هنا فتوحات يواكيم مبارك في اقتحام المحظور واكتشاف المشترك والدعوة إليه داخل غرف مغلقة يقيم فيها أئمة اللاهوت المسيحي وأحباره.

هنا فقط كان غريغوار حداد مطران الإنسان المعذب ومطران الجراح البشرية والمعاناة التي لا تقف عند حدود وجدران وضعها أدعياء حراسة الإيمان وحماة العقائد الواهمون.

هذا الوطن أعطى للعرب والمسلمين البطريرك الياس الرابع ليخاطبهم في المؤتمر الإسلامي في لاهور منذراً إياهم من مخاطر التنازل عن فلسطين، فاستحق لقب بطريرك العرب.

هنا كتب جورج خضر وخطّ للآتي من الأجيال وللقادم من الباحثين عن سر اللقاء الخلاّق أكثر النصوص مشرقية يعنيها الإسلام بمقدار اهتماماتها المسيحية.

على هذه الأرض كتب المونسيور ميشال حايك عن المسيح في القرآن، وخارج اهتمامات الإكليركيين واختصاصاتهم، كتب نصري سلهب على خطى محمد وعلى خطى علي، ودراسات قرآنية، وكما المطران جورج خضر وفي تلاقٍ عميقٍ مع مضمون الآية الكريمة "إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، غزل ميشال حايك بنوله خيوط الفكر الخلاّق فقال: " لنضع في هذه الأرض اللبنانية أسساً لاهوتيةً وفلسفيةً صريحة، راسخةً للتقارب فالتلاقي فالتكالم فالمفاهمة فالتحابّ بين المسيحية والإسلام. المشروع عظيم في سبيله الأرض معدة والسماء من فوق تبارك".

وهنا من في الماضين والآتين سيصل إلى عظيم منجز جورج جرداق عن الإمام علي(ع)، ومن سيكتب عن جراح الحسين(ع)، مثلما كتب انطوان بارا وبولس سلامة وجورج شكور وغيرهم الكثير.

من هنا، من البقاع أرسى ابن بعلبك الإمام عبدالرحمن الأوزاعي سفراً بفقه التسامح ، وحماية المسيحيين بوجه حاكم ظالم، ومثله في المعاصرين كتب عبدالله العلايلي المتون المهمة في لقاء الديانتين.


كان فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قد دعا إلى أن يكون لبنان نادي حوار دائم بين الأديان، وهو الذي ينسجم مع قول الإمام الصدر، " ليس التعايش أمراً لبنانياً متروكاً لاختيار شعبه مع كامل قناعاته بالتعايش، ولكنه أمانة حضارية تاريخية أمّن الله عليه هذا الشعب، إنه ارادة الديانتين الكبيرتين، بل إرادة الأديان كلها".

وفي العام 2015، كان دولة الرئيس نبيه بري قد دعا إلى قمة روحية إسلامية مسيحية عالمية.

وهو الذي استفزته وآلمته الأحداث الاليمة والمجازر التي تعرض لها مسيحيو العراق في 2018/10/23.

فوجه نداءً إلى جامعة الدول العربية يقول فيه:" إن ما تعرض له أخواننا المسيحيون في بغداد والموصل وسهل نينوى وأي مكان آخر من خطف واضطهاد وقتل وتهجير قد أدمى قلوبنا وجرح وجداننا وجعلنا نلمس أن العراق الحبيب لا زال يعيش حالة القلق على المصير جرّاء المؤامرة الغربية عن تقاليدنا والتي تستخدم أساليب الفتن والفوضى البناءة بهدف تفتيت كياناتنا ومجتمعاتنا العربية والاسلامية.

إن نداء اليوم موجه إلى الزعماء والقادة المسلمين والعرب وإلى مرجعياتهم الروحية، لرفع الصوت استنكاراً لما يصيب مسيحيي العراق اليوم بمثل ما رفعوا الصوت استنكاراً لما أصاب مسلمي العراق قبل ذلك.

ندائي اليوم إلى كل مسلم مخلص لإيمانه وتعاليم ديننا الكريم، وإلى كل عربي أصيل أن ننصر الحق وننصر المظلوم، لأن كل أذى يلحق بأي عربي، يلحق بكل العرب.

ندائي اليوم إلى جامعة الدول العربية أن تأخذ مبادرة سريعة وجادة إنقاذاً لشعب العراق وحضارته ودوره الإنساني، وحفاظاً على تركيبته المتنوعة عرقياً ودينياً، فالشعب شعبنا والأرض أرضنا، ونحن الأولى بالتحرك .

أدعوا إلى عقد جلسة لجامعة الدول العربية في الموصل على مستوى وزراء الأوقاف العرب.

وندائي الدائم إلى اخوتنا المسيحيين في العراق لنقول لهم اننا معنيون بقضيتكم، وانكم في أصل العروبة وستبقون راسخين في وجدان كل مسلم وضمير كل العرب".


اذا كان للقاء الأديان أم أو أب فهو بنظرنا لبنان الذي أضاع فرصة أن يتحمل قادته مسؤولية الدفع بهذه الرسالة إلى الأمام. خاصة وأن هذه الوثيقة فيها الكثير من العناوين والأفكار التي تعني لبنان مباشرة أو كان للبنان قصب السبق بطرحها.

فنحن لو أجرينا مقارنة بين من تتحدث الوثيقة باسمهم من فقراء ومحرومين ومهمشين وأيتام ومستضعفين لوجدنا أن الفكرة، بل المفردات كأنها مستلّة من خطاب الإمام موسى الصدر في قسم بعلبك في 17 آذار 1974.

ومن الواضح أن البابا القادم من كنيسة المعاناة والمحرومين والمهمشين في أحزمة البؤس ومدن الصفيح في اميركا اللاتينية والمشبع بمناخات وتجليات لاهوت التحرير، وهو الذي أدان بالكثير من خطبه وعظاتة الظلم الناتج عن التظلم وافتقاد العدالة في توزيع الثروات وإدانته الإثراء الفاحش، وهو الذي يحمل صليباً خشبياً مواساة للفقراء، يقف وراء ما ورد بهذا الخصوص في الوثيقة.

الوثيقة على أهميتها، أراني أشير إلى ما يأتي:

أ‌- وفي الفقرة التي تتكلم عن الانجاب والحياة الاسرية، يجب أن تكون اكثر صراحة، وتطرح القضايا مباشرة عبر دعوة المؤسسات الكنسية والاسلامية كي تتحمل جزءاً من اعباء دعم مشاريع الانتاج والعمل والزواج، وتأسيس اسر وتأمين السكن للشباب ان ما تملكه هذه المؤسسات من أوقاف واموال وعقارات ومؤسسات، يمكن أن يحل الكثير من المشاكل التي تعترض الشباب اليوم. إذ لا يخفى مشهد النزيف المستمر للأدمغة والطاقات من هذه المنطقة، والتراجع البيّن في الحضور المسيحي في المنطقة تحت مسببات ومبررات جمّا، وعليه تتحمّل المؤسسات الدينية جزءاً من مسؤولية إيقاف التدهور على هذا الصعيد.

ب‌- في فقرة الحرية حول حق الانسان بالإعتقاد والفكر والممارسة، والإشارة الى التعددية في الاختلاف في الدين واللون والجنس واللغة، وعدم الإكراه على اتباع دينٍ بعينه، فأود الإشارة إلى أن هذه الفقرة حبذا لو أشارت إلى حق أبناء الديانات بحرية الاختيار المذهبي ضمن إطار الدين الواحد إذ لا معنى للاعتراف بحق الاختلاف والاختيار بين الدائرتين الاسلامية والمسيحية من جهة، ومن جهة أخرى التكفير والقمع والإلغاء لأتباع مدارس ومذاهب في كلتا الدائرتين، وعليه يصبح حق التنوع في الدائرة الاسلامية على المستوى السني الشيعي والإباضي الاسماعيلي العلوي الدرزي، وفي الدائرة المسيحية عى المستوى الكاثوليكي والأورثوذكسي البروتسطانتي، مكفولاً بل ومشمولاً بمضمون الفقرة الواردة في متن هذه الوثيقة.

ت‌- إن الكلام عن حماية دور العبادة من معابد وكنائس ومساجد، يجب أن يترافق مع إدانات واضحة لا لبس فيها ولا تورية ضد كل ما جرى من استهداف لهذه الأماكن في العراق وسوريا ولبنان ومصر، وتبقى عملية تهويد وهدم المسجد الأقصى بالأساليب الناعمة والباردة، هي عنوان من عناوين أساسية يجب أن تُلحظ في هذه الفقرة.

ث‌- إن الحديث عن الإرهاب يجب أن لا يكون موسمياً أو استنسابياً بمعنى أن ندين ما يعجبنا أو يعنينا ونصمت عن الارهاب والقتل الذي يصيب الآخرين، وعليه إنه لنفاق استنكار مجزرة نيوزلندا مقابل الصمت عن تفجير مسجد سيناء الذي ذهب ضحيته المئات، ومثله مساجد وكنائس في لبنان وسوريا والعراق ومصر معطوفاً على الإجرام الذي استهدف الأبرياء في 11 سبتمبر، وباريس ومدرسة الاطفال في بيسلان في روسيا وغيره الكثير، كما أن حماية العاملين في حقل الرب وفي سبيل الله دعاة ومبشرين على مختلف إنتماءاتهم، يجب أن يُلحظ بفقرة واضحة، وعليه أن اختطاف المطرانين اليازجي وابراهيم، اغتيال الشيخ البوطي، وتغييب الإمام الصدر يجب أن يكون محل إجماع عالمي وعلى أعلى المستويات تنديداً ورفضاً واستنكاراً.

ج‌- إن الفقرة المتعلقة بقضية المرأة وحقوقها والتي تتكلم عن تعديل بالتشريعات المتعلقة بواقع المرأة، فأرى ضرورة إنكباب اللاهوتيين والفقهاء على الاجتهاد وإعادة النظر في كل النصوص المعوقة لتقدم المرأة، ونيل حقوقها وتأمين سبل المشاركة لها في مواقع الحياة بكافة تجلياتها ومسمياتها، إذ لا يخفى الكم الكبير من النصوص التي تنضح بالتمييز والدونية للمرأة في متون المصنفات الفقهية واللاهوتية.

ح‌- اما الفقرة التي تتكلم عن المواطنة ورفضها استخدام مصطلح الأقليات، فهي دون أدنى شك فقرة متقدمة لكن العبرة في التنفيذ وممارسة مضمونها على أرض الواقع وعدم تغطية فتاوى أو مشاريع قوانين تمنع مشاركة وممارسة وحق التعبير لأي آخر بعيداً عن عدده وحجمه وفكره واعتقاده. إن الناظم لعلاقات المواطنين والموقف منهم يبقى الالتزام بالانتماء والإخلاص للوطن والمجتمع ونظام مصالحه الجامع.


على الرغم من أن عنوان ندوتنا هذه متعلق بوثيقة الإمارات إن صّحت هذه التسمية، اسمحوا لي أن أنتهز هذه المناسبة لأؤكد على ما أنا مشغول به، ومشتغل عليه عنيت ما لقنته وعُلمته في مدرسة الإمام القائد المغيب السيد موسى الصدر وفهمه لقضية التعايش الإسلامي المسيحي، وهو ما سمّاه الفيلسوف كمال يوسف الحاج النصلامية (أي الاسلامية النصرانية)، وعليه استحضر رؤية الإمام الصدر لدور المسيحيين فيقول: "إن رسالة المسيحيين أن يكون أُمة واحدة مع المسلمين العرب، أن يكونوا معهم في وحدة لبنان كونهم عرباً، فإنهم يستوعبون الحضارة الشرقية وينقلونها إلى أوروبا، وكونهم مسيحيين فإنهم ينقلون حضارة الغرب إلى الشرق هم الحوار واداته ورسله، وهم رسل لخلق الحوار والتكامل بين الاسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، بين العرب وأوروبا، إنهم أُمناء على القدس، فهي قبلتهم لذلك فرسالتهم هي في وحدة الوطن. ومثيل هذا جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني القائل: "فالمسيحيون بكونهم جزءاً من الشرق الأوسط أقاموا على مر العصور علاقة مع محيطهم تشكل مثالاً يُحتذى به".

وأردد معه "ان هذا الوطن واحة لنجاح تجربة التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وإذا فشلت تجربة التعايش فغداً ماذا يعمل الأوروبي مع العرب، وماذا يعمل الغرب مع الشرق".


سأبقى مشدوداً إلى مناخات الإسلام التغييري والإصلاحي بمدرسته الصدرية، أدعو إلى فقه ولاهوت تحرير ديني إلى مسيحية مناضلة من أجل الانسان في فلسطين ايقونة نضالها هيلاريون كبوجي وعطالله حنا ومنويل مسلّم، والتأكيد على كنيسة الانسان ومسجد الانسان، لأن الايمان بالانسان هو البعد الارضي للإيمان بالله، وسأبقى أميناً لعليّ في يوم ولادته عندما قال: "ما متّع به غني إلا مما حرم منه فقير، وإني لا أجد نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيّع".

إما تكون الأديان لخدمة الانسان خليفة الله على الأرض أو لا تكون، لأن السبت خلق لأجل هذا الإنسان، ولم يُخلق الانسان لأجل السبت.

سيبقى صوت الفادي المعلّم في خطبة الجبل منارةً للعاملين على دينٍ للإنسان المعذب والفقير والمحروم بقوله "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات، طوبى للجياع، طوبى للمطرودين من أجل البر".

في شهر الصوم كم عظيم قولك يا بن البتول في "دخل الجمل في سم الخياط، ولا يدخل الغني ملكوت السماوات."

وعلى هذا ومن صميم قول النبي محمد(ص)، من نام شبعاناً وجاره جائع فليس بمسلم، عمل إمامنا الصدر وقال:" إن خدمة الإنسان هي اقصر الطرق إلى قلب الله".

هذه الوثيقة أيها السادة، غيّبت دون سببٍ واحداً من أكثر العناوين إلحاحاً في هذه المنطقة مظلومية وطن المسيح ومسرى النبي (فلسطين) وقدسها، قدس الأديان التوحيدية كلها، فأسأل ألا تستحق هذه المدينة وهذا البلد فقرة أقله أنها مستمدة من نصوصٍ للبابا بولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، والبابا فرنسيس.

فلسطين تستحق ما قاله المطران جورج خضر: "أميركا تريد أن تمنعنا من مبرات الشهادة، تريد أن تمنعنا من تقبيل تراب فلسطين، أن نقطن الناصرة، أن نمشي على ضفاف بحر طبريا، أميركا انتزعت منّا قلب العالم، حرمتنا مقدسات التاريخ، محجة الروح كأني به مع رفيق دربه الإمام الصدر الذي قال: "عندما يتخلى المسلم أو المسيحي عن القدس، فهو يتخلى عن دينه"، وها هو المطران العظيم يكرر ويقول: "قد يمر العدو، قد يصل، البطولة الحقّة أن تقول له اعماقنا لأن يعرف اننا رافضوه، إننا سنتغلب عليه بمقاومة مسلحة، نضطر آنذاك أن نؤمن بها، التاريخ يخلق الإيمان، سندخل في كل حال في مقاومة إنسانية كبرى عميقة لنكب إسرائيل من ضمائرنا ومن وجدان الإنسانية الحرة". ليت الوثيقة قالت شيئاً من قبيل هذا.


كانت المسيحية ثورةً على ظلم أحبار وحكّام اليهود وتسلّطهم المادي وجشعهم الربوي فقال لهم الفادي: "هذا بيت أبي مكان للصلاة فلا تجعلوه مغارةً للصوص".

والإسلام ثورة على قريش وفسادها، إذ قال تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً".

نعم من أجل فهمٍ ديني يجيب عن أسئلة الشباب، ويحل أزمات الانسان الروحية والمادية، نعم لحوار الحياة وإخراج قضية الحوار الاسلامي المسيحي من الصالونات، ومداولات النخب إلى أن تكون قضية حياة وعيش الناس العاديين في شوارعهم ومدارسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم الحياتية، كما صاغوها عبر هذه القرون.

نعم لفهم ديني فوق الحواجز التي تستدعي كاهناً شارك مسلمين فرحهم إفطاراً رمضانياً، فأذّن معهم فعوقب، وبالمقابل تُستدعى برلمانية مسلمة لأنها وقفت لتتناول قرباناً فتكفّر وتستتاب.

معاً لكهنوت إسلامي مسيحي مناضل ملتزم عامل في حقل الرب والإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، فالخلق كله عيال الله، اقربهم إليه احبهم لعياله.

هذه الحركات... من أكثر طلبات النساء

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard