مصيبة غزل وغرام... المرض ثالثهما وملاعب الطفولة منكوبة

4 نيسان 2019 | 17:41

المصدر: "النهار"

الام وابنتاها. (النهار).

أيُّ روح تنزع إلى الأفضل وهي خارجة من الركام، تحوطها كل أصناف الموبقات، لكنها تصرّ على البحث عن جمالٍ ما في الحياة، فتسمّي اثنتين من بناتها "غزل" و"غرام". بينما يعوم قادة المدينة والبلاد على المليارات، غير آبهين بأحزمة البؤس تلفّ حياتهم من جهاتها الأربع، وفيها أسوأ حالات الفقر، والألم، والمعاناة، والمرض، ولا يشعرون بها تشوّه حياتهم، وتمنع عن ملياراتهم ألق الحياة.

مرضت كلّ من غزل (٧ أعوام) وغرام (٨ أعوام)، ولم يمرض معهما الحب، ففي مرضهما راحتا تلعبان في الأزقة التي تحوط منزلهما المبني من الخفّان المشقوع، والمسقوف بألواح التنك، شديد البرودة شتاء، وشديد اللهب صيفاً، في منطقة هي من المناطق الأشدّ تلوثاً في لبنان لتجاورها مع مصبّ نهر "أبو علي" حيث تتكثّف الموبقات المنصبّة فيه من سيول الصرف الصحي، ونفايات البلدات التي تحف بمجراه من جبال الأرز وحتى البحر مسافةً تناهز الخمسين كيلومتراً؛ تضاف إلى موبقات المصبّ، السيول المتسربة من جبل النفايات الملاصق له، فيكتمل عقد التلوث المطلق... تحوم مختلف الطيور الجارحة كالنوارس، وكافة أصناف الحشرات والحيوانات المضرة من بعوض، وذباب، وزواحف، وفئران... وروائح كريهة منبعثة من كل هذه الاحتفالية البيئية النتنة السوداء. لكن غزل وغرام لا تأبهان، ورغم مرضهما، خرجتا من الفراش تبحثان عن الاشياء التي تحبان، تمارسان فيها "غزلهما" و"غرامهما" البريء ببراءة طفولتهما.

وجهان أحمران بقسوة غير معتادة، مكسوّان ببثور وحبيبات حمراء، هي علائم "الحصبة" التي تصيب الأطفال، وتستمرّ معهم لأكثر من أسبوع مترافقةً مع احترار عالٍ يستلزم البقاء في الفراش خشية تداعيات المرض على بقية الأعضاء الحساسة في الجسم، خصوصاً القلب. لكن ملاعب الطفولة لا تأبه للمرض ولا تعطيه إجازة، فتغادر "غزل" و"غرام" الفراش بعد عودتهما من المستشفى الحكومي حيث مكثتا أربعة أيام، وكلّهما شوق لملاعبهما.

وليست الملاعب سوى فسحات تراب تحف بالبيوت التنك، وفيها المستنقعات، وتقع نهاية السوق المعروف بسوق الأحد الممتدّ من مستديرة نهر "أبو علي"، بموازاة مجرى النهر، لينتهي قرب المصب، وفيه محلات تجارية ومنصات فارغة بانتظار يوم الأحد ليملأها باعتها من بضاعتهم، وهذا السوق كان سابقاً سوق الجمعة، حيث كانت تباع فيه القطع المنزلية المستعملة والأنتيكات، وكان روّاده من نخبة الباحثين عن بقايا تراثية لم تعد متوافرة في الأسواق.

تقول زهرة أ. ح. والدة غزل وغرام، إن ابنتيها مرضتا بالحصبة بحسب إفادة الطبيب في المستشفى الحكومي الذي آثر أن يبقيهما في المستشفى لسوء حالتهما، فرغم أن الحصبة مرض فيروسي يصيب الأطفال بصورة اعتيادية، إلا أن الإصابة كانت قاسية على الفتاتين نظراً لالتقاطهما ملوثات بيئية وميكروبات من المكبّ القريب، ما أضعف مناعتهما التي يفاقم ضعفها سوء تغذيتهما بسبب الفقر.

"إبني هذا يعمل كل ثلاثة أيام مرة بنقل الأغراض، حينما يقع على عمل، وأما شقيقه الأكبر سنّاً منه، فيجول باحثاً عن فضلات المعادن، لكنه غالب الأحيان لا يستطيع العمل بسبب منع السلطات له"، بحسب زهراء

مدخول العائلة على عاتق الشابّين، وهو مدخول لا يتعدى عشرات آلاف قليلة أسبوعياً، وليس هناك رقم محدد.

تعلّق زهراء: "للأسف أنا لبنانية، ولو كنت سورية، لنالني من هيئات الأمم المتحدة الكثير من المساعدة. وتقول بصوت تغلب عليه نبرة البكاء: ماذا أقول لحكومتي؟ هل ترضى بأن يكون عندها مواطنون يعيشون عيشتنا، ونحن سبعة أفراد في هذا المكان الذي لا يصحّ وصفه بالبيت؟".

وتعرض زهراء مطبخها، حيث "نبريش" لجرّ المياه من مشروع يعمل قريباً من البيت، أغلب الأحيان فارغ من الماء، ومجلى معدني، وقرب المطبخ حمّام لا يعدو عرضه المتر، تفصله عن بقية البيت ستارة من قماش، ومقعد عربي خفيض لم يعد متوافراً إلا في عتائق سوق الأحد المجاور. أما النوم، فالكل ينام في غرفة واحدة على الجهة المقابلة للمطبخ والحمام، مفصولة عن ردهة الجلوس بقماش أيضاً، وبذلك يحلّ القماش محل حجارة الخفان في فصل أقسام البيت عن بعضها.

تتابع زهراء شكاتها، وتقول إن الجرذان تلعب في البيت كيفما اتفق، تخرج من هنا، وتدخل من هناك، وكم من مرة عضّت أولادي خصوصاً الشباب عضّات سامة.

تطلّقت زهراء من زوجها منذ سنوات، وبقيت تناضل لتأمين القوت للعائلة، ولا تأبه لطلاقها بقدر ما تهتم بتأمين شؤون البيت، وحاجاته في الحد الأدنى. "أكثر الأحيان ننام بلا عشاء، ونستفيق بلا فطور. حياتنا لا تطاق، ولو كان عندنا مسؤولون لساعدونا بأي طريقة. لكن للأسف، أنا لبنانية، وحظي قليل".

وتختم: "كلمة واحدة أقولها برسم المسؤولين: يا ليتني كنت سورية لتؤمّن لبيتي الغذاء، والدواء، وكل ما يحتاج، لكن في بلدي، يغيب الضمير، ويعيش المسؤول حياته غير آبه بمواطنيه".



المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard