سمعتْ كلمة "ماما" بعد 41 عاماً... فادية عبدالجواد تحارب الصّمم في مصر

4 نيسان 2019 | 17:03

المصدر: "النهار"

د.فادية عبد الجواد.

عندما يأتي ذكر التحدي لا يمكن أن نغفل الدكتورة فادية عبدالجواد التي استعادت سمعها بعد41 عاماً، فحوّلت حياتها وكرّستها من أجل هدف واحد، هو أن يصبح كل أطفال مصر، بعيدين عن مشاكل السمع.

أسّست  الدكتورة فادية "جمعية السمع حياة" من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو أن تكون مصر بحلول 2030 خالية من مشكلات عدم السمع وبخاصةٍ لدى الأطفال.

روت الدكتور فادية تجربتها الفريدة لـ"النهار"، قائلة: "ولدت طفلة طبيعية، وبعمر ١١ سنة وأنا في الشهادة الابتدائية فقدت السمع تماماً بعد حمّى شوكية. كانت الصدمة هائلة لي ولأسرتي. وبفضل الله ودعم الأسرة أكملت دراستي الإعدادية والثانوية، معتمدة فقط على قراءة حركة الشفاه، ولم أجد أدنى صعوبة في الدراسة، فقد كنت، ولا زلت، أعشق الكتب، وكنت أدرس بمفردي، والأولى في جميع المراحل، والأولى على مدرستي في الثانوية العامة بمجموع ٩٧٪؜".

صمّمت فادية على تحقيق حلم الطفولة بأن تكون "طبيبة تخدم الناس": "التحقت بكلية الطب، وكانت مرحلة أخرى في غاية الصعوبة، بل القسوة، وذلك لعدم إتقاني قراءة حركة الشفاه باللغة الإنكليزية رغم إجادتي لها تحدثاً وكتابة. علّمت نفسي اللغتين الإنكليزية والفرنسية بمساعدة بسيطة من إخوتي فقط، وتخرجت في العام ١٩٨٦.

هي زوجة وأمّ  لابنتين، وعملت داخل مصر وخارجها مدة ٢٠ عاماً بعد التخرج.

"وبعد ذلك، وبإلحاح من الإبنة الكبرى أجريتُ أول زرع قوقعة العام ٢٠٠٦ وسمعتُ كلمة "ماما" لأول مرة، وأكرمني الله بالعملية الثانية العام ٢٠١٤ وأصبحت أسمع بكلتا الأذنين. بعدها أصبح كل همّي وهدفي وأملي أن يعيش كل فاقد سمع تلك اللحظة الباهرة، لحظة استعادة السمع، وأريد حقاً تكريس كل ما بقي من عمري لأجل ذلك".

استخدام السمّاعات الطبيّة مع عدم قدرتها على السمع يحتاج لتفسير: "كانت أصعب مشكلة واجهتني منذ التحقت بكلية الطب، وعلمت أن هناك سمّاعة طبية مخصّصة للكشف عن الأجنّة، وتساهم في تكبير نبض القلب 480 مرة، فراسلت الشركة وحصلت عليها بالفعل، وكنت في السنة الأولى من الكلية".

وتروي: "بقيت أتدرّب عليها حتى تخرّجي، واعتمدت على إحساسي بالسمع، واشتريت أشرطة أصوات القلب من الكلية وكنت أمسك السمّاعة المكبّرة، وأوجّهها نحو شريط التسجيل لتحديد نوع المرض، وأتممت دراستي بتفوّق، وتمّ تعييني في وزارة الصحة، ومارست المهنة بشكل طبيعي، وتغلّبت على كل الصعوبات التي يمكن أن تخطر على بال أحد، أهمها عند سفري إلى الخارج مع اختلاف اللهجات واللغات".

 تخصصت فادية في الأمراض الجلدية: "نحن كأطباء مع الأسف لا نختار تخصّصنا بل يختارنا هو حسب عدد النيابات والعدد المطلوب لكل قسم، واختياري ورغبتي الأولى كانت طب النساء والتوليد، فقد تعمّقت فيه منذ كنت طالبة، واستهواني تماماً موضوع الخصوبة والعقم، وحيث إن الجلدية كانت جلدية وتناسلية أي أمراض الذكورة، ولأنني قرأت ودرست كثيراً أسباب وعلاج العقم عند السيدات، وعندما لم أجد نيابة نساء فبالمصادفة البحتة حصلت على نيابة جلدية وأحببتها".

هناك مواقف لا تنساها: "في إحدى المرات قرأتُ حركة شفتَي الأستاذ الدكتور الكبير الراحل ماهر مهران، حيث قال إن الكلية موش ناقصة طرشان، وكان ذلك في السنة الرابعة، لكنّه وقف لي محيياً وصافحني قائلاً إنني أجبت عن أسئلة لم يجب عنها طلاب الماجستير، وابتسم قائلاً: "روحي ربنا يوفقك"، وكان يوماً من أيام انتصاري".

 رسالة فادية في القضاء على الصمَم، مهمة: "الدولة مشكورة تُجري العملية مجاناً للأطفال تحت سن ٥ سنوات، وهو أمر عظيم، لكنّ المشكلة أن ذلك يحدث لعدد محدّد سنوياً، في حين نحتاج إلى أضعاف هذا العدد... الأطفال المولودون صُمّاً يحتاجون تأهيلاً وتخاطباً بعد الزرع كي يتكلموا، ومصاريف كثيرة كبرمجة وقطع غيار، بخلاف مصاريف التخاطب والتأهيل، أما فوق ٥ سنوات فيحتاجون عمليات خاصة، وأفضل النتائج تكون في العام الأول من عمر الطفل، والكُلفة ما بين ٢٦٠ و٣٥٠ ألف جنيه حسب نوع الشركة المصنّعة للأدوات وقطع الغيار، وعندنا ٤ شركات لها وكلاء في مصر".

بالنسبة إليها، "المشكلة الملحّة الآن هي استمرار السمع للأطفال الذين زرعوا قوقعة فعلاً وإمكانياتهم لا تسمح بشراء قطع الغيار أو البرمجة أو التأهيل أو تحديث الجهاز الخارجي، وهو أمر باهظ الكلفة ويرهقني أنا شخصياً، والأزمة تشمل الجميع، وأعتقد أن جميع الدول العربية تعاني الشيء نفسه، الفارق أن عدد سكانها كبير، وبالتالي المحتاجون أكبر، والدولة تبذل جهداً عظيماً وتخصص ميزانية كبيرة، لكنّنا نحتاج تعاون مؤسسات المجتمع المدني، فالدولة بمفردها لن تستطيع أن تفعل كل شيء، وحسب الإحصائيات فإن النتيجة تحت سن ٥ سنوات تكون الأفضل من الأكبر سنّاً، وبالتالي يركّزون على السنّ الأصغر، لأن الزرع صعب للجميع، وبخاصةٍ أن العملية مكلفة جداً وعبء حقيقي على الدولة لزيادة الأعداد، وللأسف الزيادة مستمرة في نسبة المواليد الجدد المولودين صُمّاً، بسبب زواج الأقارب وعدم التوعية اللازمة، وهو أحد أهداف جمعية السمع صوت الحياة، التي أشهرتها أخيراً، أي التوعية وتأهيل المجتمع نفسه والاكتشاف والتدخل المبكران لأي إعاقة سمعية لتكون النتائج أفضل، ويخرج الطفل الأصمّ من عالم الصمت والصمم إلى الحياة، ويتعلم ويعمل ولا يكون عبئاً على المجتمع، بل يكون عضواً فعّالا وفاعلاً بل متميزاً".

تقول: "أنا الآن أمّ وجدّة أيضاً لـ٥ أحفاد، وأرى كل يوم أطفالاً زرعوا قوقعة وفي سن أحفادي وفي غاية الروعة والذكاء بل العبقرية، عوضهم الله بالكثير، ومسؤولية المجتمع رعاية هؤلاء ومتابعة تقدّمهم وما يحتاجونه بعد الزرع، فهو مشوار وكلفة تستمر مدى الحياة، وفي الوقت نفسه، هم استثمار الدولة، وأمل الغد، ولا بدّ من رعايتهم واستكمال المشوار معهم".

رسالتها في الحياة "الآن بعد أن أكرمني الله بالسمع بعد صمم ٤١ عاماً وفي عمر 53 عاماً أن يعيش تلك اللحظة كل شخص أصم وخصوصاً الأطفال، وهو أمر ممكن لأن العلاج متاح ومناسب لنسبة كبيرة من الصم وهو زرع القوقعة. المشكلة فقط أنها عملية مكلفة، خصوصاً مع كبار السن، لكن السمع حياة ولا يوجد ما هو أهم منه لننفق عليه".

 "بالنسبة لكيفية تحقيق رسالتي وهي مبادرةٌ أو حملة سمّيتها "السمع حياة"، فقد أسّست جمعية خيرية لمساعدة كل فاقدي وضعاف السمع ومستخدمي السمّاعة والقوقعة في مصر وهم عدة ملايين، وبفضل الله حصلنا على الإشهار وبدأنا العمل أخيراً، وأرجو أن تكون جمعية السمع صوت الحياة رمزاً من رموز مصر، وأن تقوم بدور رائد وفعّال في القضاء على مشكلة السمع في مصر، وأسعى لإتمام ذلك بحلول عام ٢٠٣٠".

هناك كلفة مادية باهظة من أجل هذه الرسالة وهذه الجمعية: "سوف أطرق كل باب، وكل بيت في مصر إذا اضطررت، وكذلك أبواب الشركات ورجال الأعمال، وسأتواصل مع باقي الجمعيات الكبرى. أريد أن تتبنى الدولة حملتي وتكون تحت رعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وسيسارع الجميع للدعم دون أن تتكلّف الدولة شيئاً، وبذلك نحلّ مشكلة كبيرة تشبه القنبلة الموقوتة للتزايد المطّرد في أعداد الصم سنوياً بخلاف ملايين الموجودين فعلاً".

كُرِّمت من وزارة الثقافة ووزيرة التضامن والتعليم العالي وجامعات عديدة وجهات كثيرة. وتكريمها الحقيقي "هو القضاء على مشكلة الصمم وضعف السمع في مصر، وتصحيح الوضع الخاطئ المتراكم على مدى السنين، كون مصر من أعلى النسب بالعالم في نسبة الصم".




















مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard