مكافحة الفساد: شطف الدرج أم القفز فوقه؟

1 نيسان 2019 | 13:27

"لو كان التصويت يُحدث أي فارق لما سمحوا لنا بالقيام به" (مارك توين)

إن المواطن اللبناني العادي جدّاً والآدمي جدّاً، الذي لم يرث مالاً أو جاهاً أو موقعاً نيابياً، هذا المواطن المُحبط والمهزوم بأحلامه ويومياته ولقمة عيشه وهوائه ومائه والموعود بأبسط مقوّمات الحياة وبتبدّل الأحوال، ينبغي له أن يسعد وأن يفرح ويهلّل عندما تتناهى إلى مسامعه كل صبيحة ومساء وإثر كل لقاء معزوفة مكافحة أو محاربة الفساد عبر استئصاله من المواقع السياسية والادارية والأمنية والقضائية.

لكنه حتى الساعة، ليس كذلك، إذ أضافت همروجة مكافحة الفساد ضجيجاً على الضجيج المقيم، وكآبة على كآبته المزمنة، ويأساً على يأسه من تحسّن الأحوال لانكشاف هذا الهزال الأخلاقي والارتجال السياسي والإصلاحي وكأن اللبنانيين يقيمون في حقلٍ من ألغام السمسرات والصفقات والتزوير والنهب المنظم لخيراتهم وأعمارهم جهاراً ومن دون أي حياء.

لذا فهذا المواطن اللبناني العادي غير مهتم وغير مصدّق لهذا الركام من التصريحات وغير واثق من كل هذه المطوّلات الإنشائيّة الخشبيّة عن الفساد والنزاهة والتعفّف، لا بل هو مجروح لأنه يتم استغباؤه والاستهانة بذاكرته الفرديّة والجماعيّة، اذ يعرف بالتواريخ والوقائع وعن ظهر قلب الأشخاص الفاسدين الذين ينبرون الآن لإعطائه دروساً في الأخلاق والشفافيّة والاستقامة وإصلاح ما أفسده دهر من العهود والوجوه المتكرّرة كتفاعيل البحر الطويل.

هو لن يفرح ولن يهلّل اذ يبدو له ولكل متتبع لحفلات مصارعة الفساد على الحلبات الاعلامية وكأن طبقة سياسية جديدة قد هبطت فجأة من الفضاء الخارجي على الأرض اللبنانية، أو كأنها خارجة من ثورة شعبية أو إنتخابات ديموقراطية نموذجية في قوانينها وآلياتها ونزاهتها وحسن تمثيلها، وكأن لا علاقة لهذه الطبقة بتلك التي حكمت لبنان أقلّه منذ الطائف وحتى الساعة.

أين كان كل هؤلاء القديسين والاولياء الصالحين الذين يتحدثون اليوم عن الهدر والسرقة والمال المنهوب واستغلال النفوذ والفواتير المنتفخة والتزوير والفساد في السفارات والمطارات والمرافئ والجمارك والإتّصالات وقصور العدل والمخافر والمجالس والصناديق والإدارات والوزارات...

هل كانوا على سفرٍ لا يعرفون ما يجري أو لا يدرون ما يرتكبون؟

فهؤلاء هم أنفسهم من يمسك بمفاصل الدولة ورقاب اللبنانيين إما مباشرةً وإما عبر مستشاريهم ومحازبيهم أو مموّليهم أو أزلامهم؟

أين كانوا ومن أين جاؤوا وحبر تواقيعهم على التلزيمات والصفقات المشبوهة وموازنات الجمعيات الوهمية ما زال طريّاً ولم يجفّ بعد؟

هل هم الإصلاحيّون أم وكلاء التّفليسة والتّكتم على الإنهيار؟

كيف للمواطن اللبناني أن يطمئنّ لهذه الهمروجة في غياب الرؤى والآليّات والخطط والسياسات العامّة؟

إلى اليوم لم يسمع ولو كلمة واحدة عن تكافؤ الفرص والعدالة الإجتماعيّة وتعديل الأنظمة الضريبيّة؟ كيف له أن يطمئن، وكل طرفٍ حزبيّ ومذهبيّ يقوم بمهاجمة الطرف الآخر بكيديّةٍ وحقد وينزّه نفسه وأتباعه عن أي فساد ويستميت في الدّفاع عن أطروحاته؟ كيف للمواطن اللبناني أن يؤمن بهذه الهمروجة، وكل طرفٍ في السلطة لا حديث له إلّا عن الحصص في التّعيينات والإدارات والوزارات، في تجاوزٍ معيب لمعايير الكفاءة والمواطنيّة والأنظمة والقوانين التي تحكم علّة وجود الهيئات الرّقابية؟

أليست المحاصصة السياسية ونظام المحاصصة الطائفيّ هما الفساد بعينه، إذ يؤمّنان تناسله من جيلٍ إلى جيل ومن عهدٍ إلى عهد؟

أليست التّبعيّة السياسية والحزبية والمذهبية العمياء التي تكشفها المناكفات والحلقات الحوارية على التلفزيونات ولا سيما في أوساط الشباب هي العائق الأكبر في طريق أي عملية إصلاحية؟

كيف لنا أن نطبّل ونزمّر لمكافحة الفساد ولم يُشر أحدٌ حتى اليوم إلى أي أسماء من الفاسدين ولا إلى منابع الفساد ومصادره، والآليات التي تنتجه، ورموزه ومرجعياته وأصوله وفروعه؟ إذ يقتصر الأمر كلّه على عناوين فضائحيّة على طريقة نشرة "صوت العدالة" فتتم محاسبة السائقين والمرافقين والمساعدين القضائيين والرّتباء وصغار الموظفين و"المقطوعين" الذين لا ظهر لهم؟

كيف للمواطن أن يستبشر خيراً باستئصال الفساد والجيوش الإلكترونية الموجّهة متأهّبة وبكامل أسلحتها للإنقضاض على كل من تسوّل له نفسه الإقتراب من قادتها ورموزها؟

المعارضة في البلدان الديموقراطية هي التي تقود العمليات الإصلاحية بممارستها رقابة مشدّدة على الطبقة الحاكمة، فكيف تستقيم مكافحة الفساد في لبنان في غياب أي معارضة باسم التسويات والتوافق وحكومات الاتّحاد الوطني وتوزيع الحصص وفق الأحجام والنبرات العالية ووهج الإستقواء؟

فالحكومة اللبنانية اليوم هي مجلسٌ نيابيُّ مصغّر حيث تغيب أي رقابة أو مساءلة لمجلس النواب الذي خلا من الحقوقيين والمشرّعين لمصلحة المتموّلين ورجال الأعمال في بلادٍ أضحت مصرفاً كبيراً يعجُّ بالدائنين والمديونين؟

لا تستقيم أي علامة إنقاذية في غياب الضغط الشعبي الإعتراضيّ، إذ أن مجموعات المجتمع المدني المشرذمة (مع تفضيل تسمية المجتمع الأهليّ) لا إستراتيجيا موّحدة ضاغطة لها، كما تبدو عاجزة عن إنتاج برنامج إقتصادي إجتماعي سياسي موحّد مما يخلي المساحة الإقتصادية والسياسية لمن هم في السلطة، وللمرجعيات الدينية الداخلة على خطّ الإصطفافات القائمة.

كما أن إرتفاع مستويات البطالة وتحوّل الفقر إلى ظاهرة إحصائية مع تغييب أي دور للفقراء في أي عمليّة تغييريّة ولا سيّما بعد وضع اليد على النقابات والإتّحادات العمّالية، هذه العوامل جميعها قد حالت وتحول دون تكوين رأي عام لبناني ضاغط لتلقف أي عملية إصلاحية، إذ أصبحت المقاييس ذاتيّة غرائزيّة زبائنيّة تفتّش عن خلاص فرديّ على حساب المششترك والعام.

هكذا باتت لقمة الحلال عاجزة عن توحيد المتضرّرين من اللبنانيين.

لا أمل للبنانيين في ظلّ سلطة عاجزة عن إدارة الدولة وإدارة العجز الإقتصادي ومنشغلة بالخصومات والمصالحات ومتهربة من تسمية محتكري الثروات الوطنية ومعيقي بناء الدولة وبسط الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

إن أجهزة الرقابة عادةً هي التي تطلق عملية مكافحة الفساد لأن السياسيين لن يطلقوا النار على رؤوسهم، وفي بلدانٍ عديدة يقوم القضاء بإطلاق هذه العملية كما جرى في إيطاليا سنة 1992 حين أدّت عملية "الأيدي النظيفة" التي أطلقها القضاة الايطاليون وفي مقدمهم قاضي مدينة ميلانو انطونيو دي بياترو إلى توقيف 1356 شخصاً من السياسيين والمنتخبين والاداريين وإلى فتح تحقيق عدلي في حق 1200 شخص وإلى وضع 1487 صناعياً ورجل اعمال و852 موظفاً عالياً و152 نائباً موضع تحقيق القضاة في كل إيطاليا بدعم من الرأي العام ومساندة من اللجان الشعبية، فكانت نتيجة هذه الحملة تغيير نظام الاقتراع ودخول ايطاليا الجمهورية الثانية.

فكيف للبنان أن تكون له "أيديه النظيفة" في غياب سلطة قضائية مستقلة؟

إذ إن أغلب المواقع القضائية كما التشكيلات خاضعة للمحسوبيات والضغوط السياسية!

وكيف للقضاء التصدي للفساد وهو يُرمى بشتى النعوت عند اصطدامه بأي مصلحة لأي طرف سياسي في السلطة؟

ما يجري اليوم، هو تسطيح وتسخيف لمكافحة الفساد في ظلّ انعدام النقد الذاتي وغياب الرموز الوطنية الجامعة، وفي ظلّ التّعمية على كبار الفاسدين الذين تضجّ المجالس بأخبارهم وصفقاتهم وثرواتهم ونهبهم المنظم للمال العام.

لعلّ الخطر الأعظم هو في تحوّل لازمة مكافحة الفساد إلى كباش طائفي وحزبي وثارات سياسية، وفي تعوّد اللبنانيين أخبار الفضائح وكأنها من باب التسلية على طريقة نشرات الأخبار وأحوال الطقس والمسلسلات التركية ومسلسل "باب الحارة".

وإذا كان شطف الدرج يبدأ من فوق كما هو شائع، فإن ما يجري حالياً هو شطف بعض الدرجات الصغيرة والقفز فوق الدرجات الكبيرة حتى بتنا نتساءل ألا يزال لبنان ممكنا؟ً

هذه الحركات... من أكثر طلبات النساء

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard