شحادي الغاوي يرد على مقال جو حمورة حول أسباب استشهاد سعادة

31 آذار 2019 | 18:40

المصدر: "النهار"

سعادة.

نشرت "النهار" بتاريخ 22-3-2019 مقالاً للدكتور جو حمورة بعنوان "شحادي الغاوي يعلي رجلاً وينعى حزبه" تناول فيه كتاب "الاسباب والعوامل الحزبية الداخلية في تاريخ استشهاد سعادة" الصادر لدى "دار أبعاد". مؤلف الكتاب أرسل إلينا هذا الردّ.

يقال إن المكتوب يقرأ من عنوانه، فمن العنوان "... يعلي رجلاً وينعى حزبه" نتبين الخصومة السياسية والفكرية النافرة التي يتصف بها الكاتب تجاه "الرجل" وحزبه معاً، فكيف إذا قرأنا المقال كله؟ إن الناقد الموضوعي والمنصف يجب أن يضع خصومته جانباً ويحاول أن يكون حيادياً، إذا أراد أن يكون موضوعياً ومنصفاً. تماماً مثل القاضي الذي يجب أن يرفض النظر في قضية هو على خصومة مع صاحبها. لذلك فإنني اتعجب كيف أن جو حمورة قد أبرز خصومته السياسية والفكرية وجهر بها ولم يحاول تحييدها في نقده إبتداء من عنوانه وانتهاء بالكثير من العبارات النافرة التي تحمل معاني غير صحيحة وغير منطبقة على حقيقة استشهاد سعادة وأسبابه وكيفيته، مثل: ينعى حزبه، موت زعيمهم، سقط قتيلاً برصاص سجّانيه، يتسيّد على الزعامة ويطلق الخطابات المعقدة من على المنابر الخ.

في كتابي المؤلف من 560 صفحة لا توجد ولا كلمة أو عبارة أو فكرة يمكن أن يُفهم منها أني أنعى الحزب. بالعكس من ذلك، أبرزت قول سعادة لحظة إستشهاده: "أنا أموت أما حزبي فباق". وما قول الناقد إنني أنعى الحزب سوى الافصاح عن رغبته هو في قراءة نعي الحزب الذي يخاصمه.

إن ما لفظه سعادة لحظة إستشهاده كان دفعاً لاستمرار الحزب بقوة وزخم أكبر. "انا لا يهمني كيف أموت بل من أجل ماذا أموت. كلنا نموت لكن قليلين منا هم الذين يظفرون بشرف الموت من أجل قضية وعقيدة"، فكيف لي أنا أن أنعى الحزب! وهل الحزب هو غير المؤسسة وأعضائها الذين يحملون هذه العقيدة وهذه القضية التي استشهد من اجلها سعادة؟ أن نقدي القاسي، وأكاد أقول الجائر، للقيادات الحزبية قبل استشهاد سعادة وبعده، كان هدفه أخذ العبرة والاستفادة من التاريخ لإنتصار العقيدة وفوز القضية العظيمة التي أنشأها سعادة وقادها واسشهد من أجلها، ولا يمكن فهمه نعياً للجزب إلا من الراغبين في رؤية الحزب ميتاً.


أما "الرجل" الذي ظن الناقد أنني أنعى حزبه، فلست أنا ولا غيري من يعليه أو يخفضه. إن الرجال هم في مبادئهم وإنجازاتهم وفي ما حققوه وأعطوه للمجتمع، والتاريخ وحده هو من يعليهم أو يخفضهم.

بعد لفظ الحكم بالإعدام في المحكمة العسكرية، وعندما طلب سعادة قلماً وورقة ليسجل كلمة للتاريخ، ورفض طلبه، قال له المدعي العام يوسف شربل: إياك أن تهاجم أحداً وإلا نهينك. أجابه سعادة: أنت لا تستطيع أن تهينني، ما أُعطي لأُمرئ أن يهين سواه. وعندما إستمر شربل بمحاولة إهانة سعادة ملقباً إياه بالزرزور، ونطق شعراً وقال:

إن الزرازير عندما قام قائمها/ توهمت انها صارت شواهينا

فأجابه سعادة فوراً:

في الزرازير جبن وهي طائرةٌ/ وفي البزاة شموخ وهي تحتضرُ

وكما أنه لا أحد يمكنه أن يخفض أحداً، فلا أحد يستطيع أن يعلي احداً إذا لم يكن هذا الأحد قد رفع نفسه بنفسه في حياته وخلدته أعماله وانجازاته بعد موته.

بالاضافة الى الحضور النافر لعنصر الخصومة، مما يقلل كثيراً الموضوعية والمصداقية، فإن حمورة قد ارتكب اخطاء مهنية فاضحة افقدته صدقيته لدى القراء. لم يكتف الناقد بتحميلي اقوالاً وأفكاراً ليست لي من طريق ذكر أرقام الصفحات والإيحاء أن ما يقوله هو منقول عني من كتابي، بل عمد صراحة الى تحميلي عبارات ووضعها بين أهلّة ونسبها اليّ مع ذكر الصفحة المنقولة منها، مثل: "لم يكونوا على قدر الأمانة التي إستشهد سعادة من أجلها" (صفحة 308)، وأيضاً: "مواقفه رائعة ومتألقة وعبقرية" (صفحة 54). إن الناقد عندما ينسب قولاً لغيره ويضع هذا القول بين هلالين ويذكر المرجع وفي أي صفحة هو موجود، يفترض أن يكون أميناً وصادقاً في ذلك، لأن القارئ يثق ويصدّق ولا يذهب الى المرجع والصفحة ليتحقق من صدقية الناقد. ولكننا إذا رجعنا الى الصفحات 308 و54 وفتشنا فيها فلا نجد أثراً لهذه الاقوال والعبارات. البعض يسمّون ذلك تضليلاً للقارئ، أما أنا فلن أسميه تضليلاً، أنا أعتبر أن جو حمورة لم يكن حريصاً كفاية على صدقية نقده بل إسترسل وإندفع دون تحقيق ودون تدقيق. إن خطأ من هذا النوع وهذا الحجم يجب الاعتذار عنه للقراء خطياً في جريدة "النهار". وهذا الخطأ لو أرتكب مثله طالب جامعي في أطروحته لعمدت اللجنة الفاحصة الى إسقاطه فوراً.

إن من يريد أن ينبري لنقد فيلسوف أو عالم أو أديب أو سياسي، يجب أن يكون ملماً بفلسفته أو علمه أو أدبه أو سياسته. ومن يريد أن يخاصم حزباً أو قائداً معيناً فليخاصمه عن معرفة وليس عن جهل.

لقد طلبت من أحد المترجمين المجازين الخبراء أن يترجم لي مقطعاً لسعادة من كتابه "نشؤ الامم"، من العربية الى الانكليزية، فشكرني المترجم على ثقتي به لكنه إعتذر وقال لي إنه لا يستطيع ترجمة هذا المقطع لأنه ليس ملماً في علم الاجتماع. وعندما تعجبت واستفهمت عن سبب الحاجة الى الالمام بعلم الاجتماع كي تكون الترجمة ممكنة، قال لي هذا المترجم الخبير: بلى لكي تكون الترجمة صحيحة وموثوقاً بها يجب يكون المترجم على معرفة بعِلمين لا عِلماً واحداً، علم الترجمة ثم علم في الموضوع المراد ترجمته، فأنا لست ملماً إلماماً كافياً في علم الاجتماع، كما أني أيضاً لست دارساً لأسلوب المؤلف وقارئاً له كثيراً، فما تعنيه عبارة معينة لعالم أو فيلسوف معين هو غير ما تعنيه لعالم أو فيلسوف غيره.

فيا صديقي جو حمورة، قليلاً من الدرس من أجل المعرفة والعلم بسعادة وعلمه وفلسفته وتاريخه قبل إتخاذ موقف منه، موالاة أو مخاصمة، فبعد الاطلاع يمكن تكوين رأي وموقف. وعسى أن تكون مراجعاتك وأعمالك النقدية في المستقبل أفضل وأقل شططاً.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard