خبراء اقتصاد ومال ومصارف: الحلُّ للنمو الاقتصادي سياسيٌّ!

29 آذار 2019 | 17:06

المصدر: "النهار"

الصورة عن AP.

بعد خسارة الثقة الدولية بالتعافي، والتصنيفات التي جاءت عند أدنى المستويات وتتجه نحو السلبية، انتشرت الخطابات عن عملية التحسين ومكافحة الفساد... لكنّ الحل سياسيّ وليس اقتصادياً. هذا ما أجمع عليه خبراء المال والاقتصاد والمصارف الذين التقوا في ندوة حملت عنوان "آفاق الإصلاحات الإدارية والمالية في ضوء مقرّرات مؤتمر سيدر والحلول المقترحة"، وهي من تنظيم ملتقى "حوار وعطاء بلا حدود".

الجلسات

الجلسة الأولى عن السياسات الاقتصادية، عجز الخزينة، خدمة الدين العام، خطة النهوض الاقتصادي والحلول البديلة، ترأّسها الوزير السابق جورج قرم، مع المحاضرين نجيب عيسى، شربل قرداحي، كمال حمدان، وحسن خليل.

أما الجلسة الثانية فكانت عن الإصلاحات الإدارية والمالية تبعاً لخطة ماكينزي ومقررات مؤتمر "سيدر"، ترأسها الوزير السابق شربل نحاس مع المحاضرين إيلي يشوعي، غسان عياش ورياض صوما خلال الفترة الأولى، والمحاضرين أمين صالح وحسن حمادة خلال الفترة الثانية.

"المفاجآت... المشاكل والحلول"

وفي كلمته، تحدّث نحاس عن السياسيين وفقدانهم القدرة على إمكانية تأمين دخل يتناسب مع الوضع المعيشي في لبنان، وأعطى مثالاً: إن أنشأ أحد المواطنين شركة تجارية فمن الطبيعي أن يبحث عن يد عاملة رخيصة، وبالتالي لن يقبل بالعامل اللبناني الذي يحتاج إلى 1000 أو 1500 دولار لتأمين معيشته، وبالتالي يلجأ إلى الأفراد الأكثر فقراً المستعدين للعمل برواتب قليلة جداً. وأكد على مسؤولية كل الأطراف السياسية في البلاد. كما انتقد نحاس تقرير "ماكينزي" الذي تضمّن بنوداً عن تهيئة اليد العاملة اللبنانية للعمل في الأسواق الخارجية، مشدداً على أنّ العمل وأسواقه ليس سلعة.

وأهمّ ما قاله الأستاذ في العلوم الاقتصادية وعلم السكان نجيب عيسى عن مشاريع "سيدر" و"ماكينزي" أنّها تؤمّن فرص عمل غير مستدامة ومتدنية الإنتاجية إذ إنّها ستّولّد 75 ألف فرصة عمل، متوسط الأجر الشهري فيها للعامل الواحد لا يتخطى 500 دولار أميركي، وبالتالي خفض معدلات البطالة التي تحدثت عنها رؤية "ماكينزي" إلى 8 في المئة حتى عام 2035 غير قابلة للتنفيذ مباشرة بل تحتاج إلى مشاريع محددة وتخضع لبرنامج زمني محدد. وبدأ محاضرته بالإشارة إلى السياسات التي أدّت إلى تهميش القطاعات الإنتاجية على حساب القطاعين المصرفي والعقاري وزيادة الاقتصاد الريعي.

لا يضع اللوم النائب السابق لحاكم مصرف لبنان غسان العيّاش بكامله على الطبقة السياسية، بل على الشعب والتركيبة اللبنانية ككل. وأبدى مخاوفه من أنّ أموال "سيدر" ستُجمع وتتحوّل إلى مصرف لبنان، معللاً أنّ العجز بات يصل إلى 7 مليارات دولار سنوياً فيما التوقعات بأن المبلغ الممنوح للبنان يصل فقط إلى مليار أو مليار ونصف المليار الدولار، وهو يعتبر مبلغاً صغيراً غير كاف، خصوصاً أنّ سعر صرف الليرة اللبنانية قائم على احتياطي مصرف لبنان فقط لا غير، مشدداً على أهمية معالجة الخلل الحاصل بين السياسة المالية والسياسة النقدية.

"لبنان انتهى... والمالية العامة انهارت"

تحدّث الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي عن الإصلاحات المطلوبة من مؤتمر "سيدر"، وبدأ خطابه بالقول إنّه "منذ العام 1992 وحتى اليوم فوّت السياسيون على لبنان فرصاً ثمينة من تنوّع الاستثمارات إلى فرص العمل، والخدمات الأساسية للبنان بجودة مرتفعة وبناء اقتصاد متين ومتنوّع وتأمين مستقبل أفضل للشباب"، معتبراً أنّ "الفرصة الأخيرة كانت في تشكيل حكومة مختلفة عن الحكومة الحالية... فلو كانت حكومة اختصاصيين وخبراء وكفّهم نظيف لكان هناك بعض الأمل الجدي في وضع لبنان على سكة التعافي والاستمرار".

وفي رأي يشوعي أنّ "هذا البلد انتهى، واقتصاده انتهى، وماليته العامة انهارت... نحن في قلب الأزمة ولسنا في انتظارها، لكن الكذب اليومي يُعتّم عليها"، معتبراً أنّ "مؤتمر "سيدر" سُمي بذلك للتمويه وكي ينسينا فشل مؤتمرات "باريس 1 و2 و3" وضياع ملياراتها"، وأعطاها اسم "باريس 4". أما الحلّ فيكون عبر وضع سقف لزيادة الدين العام وتحرير بعض السيولة ليستفيد منها القطاع الخاص من جهة، وعبر الإصلاح الإداري من جهة أخرى. وأخيراً عبر معالجة خدمة الدين العام. كما طالب يشوعي بإقرار اللامركزية الإدارية ووضع نظام ضريبي جديد عادل، واستهداف الضرائب الشخصية على مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية.

دين لبنان مختلف عن باقي البلدان

"جميع البلدان تستدين إلا أنّ قصة لبنان مختلفة تماماً"، هكذا بدأ الخبير الاقتصادي حسن خليل محاضرته، وأضاف: "هناك خلل بالاستدانة في لبنان بدأ عام 1995، فقد أعطيت 38 في المئة من نسبة سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، فُتحت لعامة الناس، و43 في المئة للمصارف. ووصلت الفائدة إلى 40 في المئة، بينما كانت الفائدة على السندات بالدولار ما بين 6 إلى 7 في المئة فقط". واعتبر أنّ تثبيت سعر الصرف عند انعدام المخاطر على العملة، مترافقاً مع إعطاء فوائد عالية على الديون بالليرة ساهم في تكوين ثروات طائلة من الدين العام، وكبّر من حجم الكتلة النقدية بالليرة ولم تقدّم أي مردود على الاقتصاد.


مؤتمر "سيدر"... وزيادة الإنفاق الاستثماري

عن مؤتمر "سيدر" والقدرة الاستيعابية للاقتصاد اللبناني لتحقيق أهدافه، تحدّث الخبير الاقتصادي كمال حمدان، متسائلاً: "هل هذه رؤية إنمائية أم خطة اقتصادية أو برنامج استثماري أو هي مجرد إعلان نوايا؟". وأجاب: "ليست رؤية وليست خطة بل هي برنامج استثماري وُضع على عجلة انطلاقاً من مخزون ملفات 60 في المئة منها لها علاقة بمشاريع وطنية و40 في المئة لها علاقة بالمناطق"، والنتيجة ستكون زيادة الإنفاق الاستثماري 4 مرات.

أما المحلل السياسي الاقتصادي رياض صوما، فتحدث عن بداية التأثير السياسي على الاقتصاد اللبناني منذ اتفاق الطائف وتضييق الولايات المتحدة على الحركات اليسارية في العالم وتداعياتها على الممارسات الاقتصادية في لبنان، مشيراً إلى أنّها ساهمت في إضعاف الحركة النقابية. وأكد على أنّ الدولة لن تكون قادرة مستقبلاً على تأمين الحد الأدنى للمواطنين ولن تتمكن من السيطرة على الجائعين في الشوارع.

الترابط مؤكد بين السياسات الاقتصادية وعجز الخزينة وخدمة الدين العام، وفقاً للخبير الاقتصادي شربل قرداحي، الذي طلب البحث عن حلول بديلة لتجنّب الأزمة وحماية الاقتصاد وذلك عبر بناء سياسة مالية تؤمّن نظاماً ضريبياً عادلاً مترافقاً مع خفض النفقات العامة وغيرها من الإصلاحات المطلوبة.

المحاسبة والرقابة

من جهته، تطرّق المدير السابق للمحاسبة العامة في وزارة المال أمين صالح إلى موضوعين: الموازنة والحسابات المالية. وقال: "بالحقيقة علينا استرجاع الدولة من السلطة اللادستورية"، معتبراً أنّها أطاحت بالدستور والأمن، مستنداً إلى الركائز الثلاث المعطلة لقيام الدولة وهي: الموازنة العامة، الحسابات المالية للدولة والرقابة المالية على إدارة المال العام. أما الحلّ برأيه، يكون عبر تحقيق التوازن في الموازنة العامة بشكل أساسي.

الخبير الاقتصادي حسن حمادة أيضاً شدد على أنّ لبنان يعيش مراحل الانهيار المالي، وذكّر أنّ "تقوية المصارف لجذب الأموال الخارجية كانت خطة مثمرة لو استفدنا من هذه الأموال لتمويل القطاع الخاص، لكن الواقع أتى مغايراً إثر زيادة الودائع لتمويل عجز الموازنة". وبعد أن انتهينا من مرحلة الانهيار الأولى، دخلنا المرحلة الثانية بعجز المصارف عن جذب رؤوس الأموال، وذلك استباقاً لانهيار العملة. والحلّ ليس "ٍسيدر" بل القرار السياسي.

إجماع الخبراء على الانهيار ورداءة الوضع الاقتصادي، نسفَ الأمال بأن يكون لرؤية "ماكينزي" وخطط "سيدر" تحقيق النمو الذي يطمح له لبنان، وربما الحلّ الوحيد هو انتظار المراحل الأخيرة من الانهيار ومراقبة الأحداث.

مصارف الأعمال في لبنان... مرحلة تحوّل في الأسواق المالية تستدعي الحذر

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard