كتابٌ بعمر علاقة

28 آذار 2019 | 10:27

المصدر: النهار

لا أجد من البداهة، أو المطلق، أن يكون أول كتاب قرأناه هو أكثر كتاب نذكره. وقد لا نذكره قط. كعلاقتنا بالحب الأول. لكنّني عرفته، كتابي الأول، في صورة من معرض للكتاب أقيم في مدرستي المستقبلية حينذاك. كانت لا تزال المصّاصة معلّقة على سلسال تدلّى من رقبتي. الكتاب الذي حملته، أذكر منه استدارته، بخلاف هندسة الكتب التقليدية. كتابي كان مستديرًا، بلا زوايا، جعلني أقرأ أول حروفي، اسمه "الحروف المتحركة". أما أول كتاب بقي مضمونه، فكان عن قصّة "لعّوبة"، البنت الجميلة التي تنتعل قباقيب ملوّنة؛ والقباقيب تفرح حين تنتعلها قدم الفتاة الجميلة، فتطلق موسيقى، كل لون بلحن... أمّا حالة الكتاب الأولى التي عشتها، عظمتها الأولى كما لم أعش بعدُ ما يضاهيها، تذوّقتها في معرض الكتاب الدولي في دمشق. كنت في الثالثة، وليجنّبني والدي عناء المشي الطويل، حملني على يده وراح يتنقل بين أجنحة وأروقة المكتبات العملاقة والمتراصة، أنا بيد، وأكياس ملأى بالكتب بيده الثانية.

انتقلت تلك الكتب من دمشق إلى مكتبتنا في طرابلس. مكتبة موزعة بين الصالون، وغرفة الجلوس، والممر الطويل، وفي غرفة نوم، ومكتبة بجانب الحمّام، وكتبٌ حرنا بمساحتها فوضعناها على تختية المطبخ. تضم مكتبة والدي ثمانية آلاف كتاب ومجلة، كنت حين أتناول بعضها، وأعثر على ملاحظات خطَّها بخطه الأنيق على أوراق نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم التي أصبحت صفراء، أشعر أنني رافقته في الطريق من غرفته الصغيرة التي استأجرها في البقاع الغربي إلى المدرسة حيث كان يعلّم اللغة العربية. أخبرني أبي أنّ كتبًا كثيرة قرأها من غرفته إلى المدرسة، فصار يتسرّب لي من كتبه البرد الجاف، والغبار، والوحدة.

عليّ سريعًا أن أتخلّص من مكتبتي الرابضة في غرفة النوم. لكن لا أفعل. تقول الطبيبة إنّ حساسية صدري يفاقمها العتّ الذي يتكاثر بين صفحات الكتب. وكتبي بالمئات، وصفحاتها بعشرات الآلاف. لكن لا أتخلص منها. ولا أنقلها إلى مكان آخر. مكتبتي بجانب مرآتي وكلاهما بذات الضرورة. بالأحرى، مكتبتي مرآتي. لمَ أكسرها وأوزع قطعها المشظّاة لمن لا يدرك قيمتها كما أفعل؟َ! لا أحبّ الموسوعات ولا المجلدات التي تجعل من مكتبتي حائطًا منيعًا، رتيبًا. أريدها فسيفساء ملوّنة، كالمشارب التي جذبتني، كميولي. أسعى ليكون لكلّ كتاب لونه، حجمه، شكله، حكايته، رائحة ورقه، ملمسه. أسعى أن يكون لكل كتاب اقتنيه وأحتفظ به شخصيته.

لا أعير كتبي إلى أحد، لأنّني لا أؤمن باستعارتها بالأساس. مسجَّلة في مكتبة المعهد الفرنسي، ومكتبة الصفدي الثقافية، لكن لا أستعير الكتب إلا فيما ندر، حين يتخطى الإفلاس حدّه المقبول. ويأتي الإفلاس، غالبًا، حين أقتني كتبًا يتسنى لي قراءتها أونلاين، لكنني استقدمتها من الخارج، ورقيّة، عبر البريد السريع الذي يضاعف الكلفة. أستعجل قراءة كتاب رغبته، فأوفر الوقت بالمال. ليس امتثالًا لنصائح الطبيبة، إنما حين شعرت أنني خطوت مرحلة فكرية جديدة، استطعت وهب بعض الكتب. أفرغت من مكتبتي صندوقاً كبيرًا وهبته إلى طلاب الجامعة اللبنانية - جامعتي، برضى وبهجة كبيرين حين علمت أنّه لم يبقَ منها كتاب واحد، بعكس مكتبة والدي التي تشرذم جزء كبير منها بين مكتبات عامة في طرابلس لا يرتادها أحد. من حسرتي على هذه الكتب تولّدت لدي رغبة بأن يستعيد والدي ذاكرته المكتبية، فيخبرني بأسماء الكتب التي تبرّع بها، لأذهب إلى هذه المكتبات وألملم أرثه وميراثي، كتابًا كتابًا.

ما زلت - وأظنني سأظل- أعايش عنصرية الناس تجاه من يحبون القراءة. من طفولتي، يرنّ سؤال خالتي في أذني، تهتف لابنتها "كفى لعِبًا.. اتركي اللعب وطالعي كتابًا كما تفعل جودي". كنت أتمنّى لو صفعتني أمّي بأوامر تشبهها، على غرار "كفى مطالعة.. اتركي الكتاب واخرجي للّعب مع أولاد خالتك". نعم أتمنّى لو في طفولتي كنت قرأت أقلّ ولعبت أكثر. حاولت أن أحيط نفسي بنمطيّة القارئ، بهذا التمايز "الإيجابي" الذي يصنعه قرّاء لأنفسهم. فأمسكت ذات يوم برواية "الطاعون" لكامو أقرأها، وشغّلت إذاعة "نوستالجي"، فلم أستطع التمتع بالأغاني ولا التمعّن في القراءة. شعرت أنّني في مشهد تمثيليّ رثّ. أطفأت الراديو وانكببت على الرواية، وحدها. ومذّاك، لا أفهم من يستطيع أن يستمتع بالقراءة مع طعام يمضغه أو قهوة يشربها، أو مع موسيقى كلاسيكية مثلاً. كيف يستطيع هؤلاء أن يوفّقوا بين كلّ هذه الحواس؟! كتاب وحده، بين يديّ، قد يفيض عني، فأستهلكه بلذّة دفّ شوكولا لذيذ أخاف أن ينتهي للذّته.

وتظهر لي هذه العنصرية حيال القرّاء، حين أُهدى كتابًا. أكثر ما تلقيته في حياتي كان كتابًا، أو أكسسواراته: ضوء صغير من مكتبة "أنطوان"، يعلّق على صفحة كتاب فيضيئه وحده، من شريكتي في الغرفة، لأقرأ في الليل بدون إزعاجها. تلقيت ألواحاً مستطيلة من القماش والكرتون وكبسات ممغنطة لتحديد الصفحة التي انتهت عندها قراءتي، وكل ما يدور في فلك الكتاب: دفاتر وأقلام فاخرة، ما أكثرها. لا نزال، إذًا، نعتبر القراءة فعلًا متمايزًا، أو هواية، وربما موهبة، سيفرح أصحابها حين نعينهم على تمتينها. هل نهدي مثلاً خبزًا؟ طِعمًا؟ هل نهدي هويّة؟ طيب.. قنينة عطر أو أحمر شفاه يبدوان لي هدية أشد احترامًا لي كقارئة أولاً، وكأنثى أيضًا.

أسرع كتاب قرأته؟ رواية "واحد، ولا أحد، ومائة ألف". أهداني إياه قبل أن ينتهي كلّ شيء. ولكي أنهي كلّ شيء أنهيت عهده العاطفيّ بأربع وعشرين ساعة، بما فيه كتابه.

موضة Animal Print: كيف نرتديها؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard