ما مدى تأثير خلاصة تحقيق مولر في سياسة ترامب الخارجيّة؟

27 آذار 2019 | 14:42

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحيي الحضور في "مؤتمر الحركة السياسية المحافظة" في ميريلاند، 2 آذار 2019 - "أ ب"

ضخّ المحقّق الخاص روبرت مولر حيويّة بارزة داخل أروقة البيت الأبيض بعدما نفى وجود تواطؤ بين حملة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والروس خلال الانتخابات الرئاسيّة الماضية. بمجرّد إعلان وزير العدل خلاصة التحقيقات التي سلّمها إليه مولر، انتقل ترامب من منتجع مارالاغو في فلوريدا إلى البيت الأبيض كأنّه دخل مرحلة جديدة في رئاسته. تحقيق مولر يعني أنّ الإدارة الأميركيّة ستغدو أكثر استقراراً وقد ينعكس ذلك على آليّة صناعة القرارات الخارجيّة. 

"فرص ضائعة"

كرّرت قاعدة ترامب الشعبيّة التوصيفات التي استخدمها الرئيس بحقّ تحقيق مولر، وأبرزها توصيف "مطاردة الساحرات". وانبرى جمهوريّون كثر لمهاجمة الديموقراطيّين بعد صدور خلاصة التحقيق منتقدين شخصيّات الحزب البارزة كمرشّحتهم الرئاسيّة السابقة هيلاري كلينتون والرئيس باراك أوباما. الكاتب السياسيّ في صحيفة "نيويورك بوست" مايكل غودوين كان من بين هؤلاء، وكتب: "لن نعرف أبداً بالضبط الثمن الذي دفعته أميركا لذلك الاحتمال (أنّ ترامب قد لا يستمرّ طويلاً في منصبه بحسب اعتقاد خصوم واشنطن)، لكن بإمكانكم أن تكونوا متأكّدين بأنّه كان مرتفعاً، وبأنّ التداعيات لن تختفي على الفور". وأضاف: "ربّما كان هنالك اتّفاق تجارة مع الصين بحلول اللحظة الراهنة. ربّما عاجلت كوريا الشماليّة إلى تسليم قواها النوويّة لو علمت أنّ ترامب ليس ذاهباً إلى أيّ مكان لما لا يقلّ عن أربع سنوات".

بيجينغ درست كلّ الاحتمالات

لم تكن الصين بعيدة عن الحسابات المرتبطة بالتحقيقات. على هذا الصعيد، سيرسل البيت الأبيض وزير الخزانة ستيفن منوخين والممثّل التجاريّ الخاص روبرت لايتيزر إلى بيجينغ غداً الخميس لمواصلة المحادثات مع الصين في الوقت الذي يقترب الطرفان من التوصّل إلى اتّفاق نهائيّ. وسيزور وفد صينيّ واشنطن لإجراء المزيد من المحادثات في 3 نيسان المقبل. في هذه الأثناء، قال الخبير في إدارة الأصول والشريك المؤسّس لشركة "موبيوس كابيتال بارتنرز" مارك موبيوس في حديث إلى شبكة "سي أن بي سي" إنّ الصين كانت لتتّخذ موقفاً أكثر تشدّداً لو تلمّست في تحقيق مولر خطراً على منصب ترامب، مشيراً إلى أنّها درست جميع الاحتمالات الممكنة في هذا الموضوع خلال تفاوضها مع الأميركيّين. وقال المحلّل السياسيّ في مركز "رايموند جايمس" أد ميلز للشبكة نفسها إنّ نتيجة تحقيق مولر قد تساهم في إنجاز اتّفاق مع "تنازلات أكبر (تقدّمها) الصين".

كيم غير آبه على الأرجح

بين قمّتي سينغافورة وفيتنام، لم تظهر كوريا الشماليّة نيّة حقيقيّة في الاستجابة للمطالب الأميركيّة. على المستوى التكتيّ، ركّزت بيونغ يانغ على رفع كامل للعقوبات، أو أقلّه، على رفع متزامن لها في مقابل تقديمها تنازلات تدريجيّة. بمرور المراحل، تبيّن غالبيّة المؤشّرات أنّ بيونغ يانغ لا تريد التخلّي عن سلاحها النوويّ، لكنّها في الوقت نفسه تريد ترسيخ حضورها على الساحة الديبلوماسيّة. إذا صدقت هذه التوقّعات فسيكون من الصعب أن تتأثّر بنتائج تحقيق مولر. ربّما أمكن أن تتذرّع لاحقاً بعدم استقرار الإدارة لو أدان مولر ترامب، لكن بعيداً عن أيّ خطوة دعائيّة، سيبقى هدفها الاستراتيجيّ منفصلاً عن هذا التطوّر. وحتى في حال تمكّن ترامب من مفاوضة الزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون عبر الإيحاء بأنّه يمكن لبيونغ يانغ وضع ثقتها باستمراريّة الإدارة الحاليّة بعد صدور نتيجة التحقيقات، فهذا لن يغيّر الكثير بالنسبة إلى تفكير كيم.

تصعيد مع إيران

قد تكون إيران من أبرز الدول المعنيّة بالتطوّرات داخل الإدارة الأميركيّة بما أنّها تعاني من عقوباتها. ومع عدم وجود أيّ أدلّة تورّط ترامب بحسب مولر، يبقى أنّ حلّ هذه المشكلة بالنسبة إلى الإيرانيّين قد يتأجّل إلى ما بعد الانتخابات الرئاسيّة المقبلة. ورفض الإيرانيّون دعوة ترامب الصيف الماضي لعقد حوار معهم. لكنّ موقفه بات أقوى اليوم وعلى الأرجح سيواصل سياساته التصعيديّة معها في المرحلة المقبلة. يوم الجمعة الماضي، أعلنت وزراتا الخارجيّة والخزانة فرض عقوبات على 31 كياناً مرتبطاً بالمنظمة الإيرانية للابتكار والأبحاث الدفاعية المنخرطة في تطوير الأسلحة النوويّة الإيرانيّة والخاضعة لوزارة الدفاع. من العقوبات إلى المؤتمرات الدوليّة المناهضة لطهران إلى جولة بومبيو الشرق أوسطيّة وصولاً إلى اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلّ، تبدو واشنطن مصمّمة على مواجهة إيران بخطط متعدّدة الأشكال والمستويات.

روسيا والمشاعر المختلطة

قد تكون مشاعر الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين متضاربة تجاه خلاصة تحقيقات مولر الذي اتّهم روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركيّة. في الأساس، ربّما فقد بوتين الكثير من الأمل في إمكانيّة أن يغيّر ترامب السياسة الأميركيّة باتّجاه أفضل نحو موسكو خلال الأشهر الماضية. وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس الاتّحاد الروسيّ قسطنطين كوساشيف إنّ "عدم التواطؤ" قدّم "فرصة لإعادة إطلاق العلاقات" بين الدولتين. إذا أصبح ترامب في موقع أقوى تجاه خصومه الداخليّين لاتّخاذ خطوة في هذا الإطار، فمشكلة معاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى قد تشكّل عائقاً كبيراً لهذا المسار. لكن ليس بالنسبة إلى كوساشيف الذي رأى أنّه يمكن البدء بالتفاوض حول هذه المعاهدة. وفي إشارة واضحة إلى ضبابيّة الموقف الروسيّ، وصفت وزارة الخارجيّة الروسيّة النتائج بـ "السخيفة".

المحقق الخاص روبرت مولر - "أ ب"

على المدى البعيد قد لا يتغيّر الموقف الروسيّ كثيراً. يقول الباحث غير المقيم في "المجلس الأطلسيّ" جوش رودولف إنّ الأميركيّين قد يشعرون بالإرهاق المتزايد من إلحاحيّة التهديد الروسيّ بما بدفع موسكو لتقويض الديموقراطيّات الغربيّة، لأنّ واشنطن وحلفاءها فشلوا في الردّ عليها بإجراء مكلف وقد يكونون الآن أقلّ رغبة بفعل ذلك.

حدود التأثير

بطبيعة الحال، لا يمكن المبالغة بمفاعيل تحقيق مولر على السياسة الخارجيّة الأميركيّة التي لا تقتصر على الملفّات المذكورة. وحتى لو وجد المحقّق تواطؤاً، كانت عمليّة عزل الرئيس صعبة بما أنّ الجمهوريّين يسيطرون على مجلس الشيوخ. كما أنّ استقرار الإدارة لن يعني حكماً قرارات خارجيّة أكثر تجانساً، وذلك لأنّ أسلوب حكم ترامب، بوجود تحقيق أم بعدمه، يتميّز بالانفعاليّة في أحيان كثيرة. أحدث مثل على ذلك برز يوم الجمعة الماضي حين أعلن ترامب أنّه سيسحب عقوبات فرضت مؤخراً على كوريا الشماليّة فأدخل مستشاريه في حيرة كبيرة وهم يتساءلون عن ماهيّتها. وفي جميع الأحوال، إذا أزيل عنصر التحقيقات من عوامل السياسة الخارجيّة، فإنّ عاملاً آخر سيحلّ أو ربّما بدأ يحلّ مكانه في الآونة الأخيرة: انتخابات 2020.

جرّبوا خبز البندورة المجففة!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard