أمهات يروين لـ"النهار" تجربتهن في التوفيق بين العمل والعائلة

21 آذار 2019 | 16:51

المصدر: "النهار"

الأم العاملة (صورة تعبيرية).

ذاك اليوم، يوم نخرج من أرحام أمهاتنا إلى رحاب الحياة، لو خيّرونا لما ترددنا بالبقاء في أقرب مكان لقلوبهن، تلفنا أذرعهن في كلّ حين. نخرج باكين خائفين، لا يسكتنا سوى الحضن الأول وتتالي القبل وتلك المسحات الأولى على رؤوسنا وكأن بالأم تقول لمولودها: إن ما انوصل بيني وبينك لا ينقطع وما حبل السرة إلا بداية الوصل لا نهاية الاتصال. التحية اليوم لكل أم في عيدها. لتلك السيدة الجميلة المتفرّغة للعب دور الأم متخلية عن حقوق مشروعة في العمل وبناء كيان خاص بها، ولأخريات ما زلن يصارعن الحياة ويتحدينها مع فجر كل صباح في ميداني العمل والأمومة. الا أنهن أمهات مع سبق الإصرار والترصد. لا شكّ في أن النجاح في الحياة المهنية والعائلية في آن، مهمة صعبة. فالمرأة وإن كانت في يومنا هذا شريكة اساسية في ميدان العمل مع الرجل فهذا لا يسقط عنها مسؤوليتها داخل العائلة تجاه الزوح والأولاد، ليصبح الضغط النفسي عليها مضاعفاً. فماذا عن تجارب هذه الفئة من الأمهات وكيف يعادلن الكفة منعاً لاي تقصير، بخاصة أن علماء النفس يؤكدون مدى حساسية الأمهات وشعورهن بالذنب وتحديداً العاملات منهن.

في بداية حياتِها الزوجية كانت ندى المسمار، زوجة وطالبة وأم، ثلاث مهامٍ في آن واحد. لا تخفي صعوبة التجربة الا أن "القرار بالمضي فيها، حسم الأمر". وتقول لـ"النهار" مستذكرة كيف كانت تودع طفلتها الأولى لانا في الحضانة صباحاً وهي متوجهة إلى عملها لتعود وتصطحبها بعد الظهر الى منزل والدتها مكملة طريقها الى الجامعة لإتمام دراستها في هندسة المساحة. في المساء تعود وطفلتها الى المنزل الزوجي وبعد ان تخلد الصغيرة الى النوم، تشرع ندى في تنظيف المنزل وتحضير طعام الغد. ساعات الليل المتأخرة تخصصها الام لدراستها علّها تعوّض ما فاتها في حصص دراسية لم تتمكن من حضورها. "أساتذتي في الجامعة منهم من تعاطف معي ومنهم من حسم أمر رسوبي. وكانت المفاجأة بحلولي في المرتبة الأولى على طلاب لبنان في هندسة المساحة" تخبرنا السيدة بفخر.

اختارت ندى نقل سكنها، وهي اليوم تقطن ووالدتها في المبنى ذاته، واقع فرضه عمل زوجها البعيد واضطرارها للنوم خارج المنزل احيانا. وهكذا تساهم الجدة في استقبال لانا بعد عودتها من المدرسة. ومع انجاب الطفلة الثانية جودة (3 سنوات) تضاعف الضغط. وبالرغم من متابعتها لامور الطفلتين عبر الهاتف خلال ساعات العمل، الا ان الشعور بالذنب يرهق ندى. وكيف تتخطينه؟ تجيب السيدة: "عندما افكر ان كل ما افعله لاجلهما، لتحسين مستوى معيشتهما وتوفير ما يلزمهما من متطلبات"، مضيفة "اخترت أن ادفع الثمن على حساب حياتي الخاصة، لا وقت لنفسي ففي الصباح انهي اعمال المنزل وبعد الظهر اتفرّغ للتدريس واللهو مع ابنتيّ، والمساء أحضّر طعام اليوم التالي". لم تندم ندى على قرار الجمع بين العمل والوظيفة، قائلة: "عندما تشعرين بتحقيق ذاتك، وبمساهمتك في تحسين حياة ابنائك لن تندمي. وتبقى الأمومة شعوراً اتمنى لكل سيدة اختباره".

حال شيرين حرب، كحال كل أم يعتصر قلبها حين تودع صباحا طفلاً حديث الولادة. تمضي الموظفة في قسم الاستيراد والتصدير في احدى المؤسسات التجارية في بيروت يومها بعيدة من طفلتها، في سبيل مساعدة زوجها لتوفير حياة كريمة لعائلتهما، وهذا عزاؤها الوحيد. "في صباحات الشتاء الباردة، أتألم وانا اوقظ طفلتي لايصالها الى منزل والدتي قبل التوجه الى العمل"، تقول شيرين التي تتشوق لضم ابنتها مساء وتعويض الغياب.

لمديرة الإعلام والعلاقات العامة في "FFA Private Bank" ميراي قراب أبي نصر تجربتها ايضاً. ريادتها وانجازاتها في مجال الاعمال مهما علا شأنها لن تكون الاهم، تجزم ميراي الامر قائلة: "نقولا، شريف ومالك، اهم انجاز في حياتي واجمل ما فعلته على الاطلاق. اطفالنا انجازنا الفريد من نوعه". الصبيان الثلاثة هم مصدر الهام ميراي ودافعها للعمل والعطاء، تريد السيدة كما اخبرتنا ان تجسد امام اعينهم مثال المرأة القوية الجديرة بالتقدير، شأنها شأن الرجل الكادح المقّدر من المجتمع.

لا تنفي حجم الضغط الملقى على عاتقها، فتحتال عليه بتسمية تخفف وطأته "الهستيريا الحلوة"، على قاعدة النظر الى ايجابيات الامور، "ضيق الوقت وكثرة المهام يجعلاني استفيد من كل دقيقة"، فبرأي ميراي: "المرأة القوية هي التي تدرك قيمة الوقت، والاولاد والعائلة الكبرى والمسؤولية الاجتماعية في آن واحد. وهي نموذج شريكة الحياة التي تتمنى ان يختاروه اولادها".

مع نهاية كل اسبوع، تقيّم ميراي أداءها: "هنا قصرت، وهنا عليّ التعويض"، لترسم خطة للاسبوع، مقرةً بأن "أحدا لن يكون في حالة مثالية من التوفيق بين مهامها أجمع، الا ان التحدي يكمن في توفير النموذج المعتدل". وتلفت الى "اهمية المؤسسات المتفهمة لاوضاع الامهات العاملات لديها، فتعاملهن بمرونة عندما تقتضي ظروفهم العائلية ذلك". تؤمن ميراي بأن "الأمومة تضاعف قدرة المرأة على التحمّل والعطاء"، وفي نهاية اليوم الطويل تخبر أطفالها انهم "سر نجاحها ومصدر فخرها".

ننتقل مع غادة شمس الدين، لنستمع الى قصة من نوع آخر. دورها في حياة ابنتها روان، تخطى كونها اماً وعاملة فكان عليها سد فراغ الاب الغائب منذ نعومة اظافر ابنته. بشجاعة تروي غادة لـ"النهار"، كيف تخطت مشاعر الاحباط والوحدة والمسؤولية المضاعفة، بعد ان حاولت التأقلم مع معاناة هجر شريكها للمنزل الزوجي. هي في آن، المرأة القوية المتماسكة امام المجتمع والعائلة الكبرى، والمرأة الرقيقة امام مشاعر الحزن التي اجتاحتها سراً. فكان التحدي يحتم عليها النجاح في تجربة فرضتها عليها الحياة، "لا خيار سوى النجاح" تحسم غادة وتمضي.

عن تفاصيل التجربة تخبرنا، "أعمل في أمانة سر قسم شؤون المالكين في مشروع "وعد" منذ سنوات طويلة، قدر الإمكان حاولت التوفيق بين العمل والاهتمام بطفلتي الوحيدة. ورغم ان الراتب الشهري لم يكن يكفي لتأمين متطلبات المنزل والطفلة الا انني لم استسلم، وباحتضان العائلة الكبرى من اخوة واخوات وابوين استطعت قطع المسافات الشاقة. كبرت روان وهي اليوم تتابع دراساتها العليا في الحقوق، الا ان متابعة شؤونها لم تتوقف فمنذ سنوات الدراسة الاولى في الصفوف الابتدائية ولغاية اليوم اولي الاهتمام الاول لها ولتفاصيل حياتها". الام والابنة، متكاتفتين انتصرتا. "هذه صناعتي ونتاجي" تقول غادة فخورة، بنجاحها، شاكرة الله والعائلة الكبرى على المساندة.

وفي #عيد_الأم، تتمنى السيدة القديرة، لكل والدة أن ترى ابناءها بالصورة التي رسمتها وتتمناها لهم. ولابنتها روان توجه رسالة: "رغم مشقات الحياة انظري الى القوة الكامنة في داخلك، وركزي على ايجابيات الامور".

ما تمرّ به الأمهات العاملات، من ضغط نفسي وجسدي، يؤكده العلم. وفي حديث لـ"النهار" تشير المعالجة النفسية رنا حداد، الى ان "الام العاملة، رغم احتياجها لوقت خاص بها، تلقائيا ستفضل تكريسه لابنائها نظرا لسرعة الحياة وضيق وقتها بين العمل والمنزل". وإن "كان من المفترض على #المرأة ان تبني شخصيتها وكيانها المستقل، ولا تحصر دورها بالامومة وربة المنزل، كحاجة نفسية لديها، الا ان نمط حياتها لن يساعدها كثيرا في ذلك".

ولان السيدة العاملة، ستمر حتماً بظروف نفسية صعبة، تشدد حداد على دور الرجل- الشريك في حياتها، قائلة: "للزوج دور داعم عليه ان يضطلع به تجاه زوجته. كأن يخفف عنها الشعور بالذنب ويتقاسم قدر الامكان واياها المهام داخل المنزل ومتابعة الاطفال تقديرا لتعبها وجهدها ومساندة لها في تحقيق طموحها المهني".

أما نصيحة حداد للأمهات العاملات، فهي "الفصل بين الحياتين المهنية والعائلية. لا يصح خلق اجواء من التشنج داخل المنزل وتجاه الاطفال نتيجة ضغط العمل".

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard