بالصور: رغم جمالها... المياه في عكار بخطر

14 آذار 2019 | 11:16

المصدر: "النهار"

تصوير خالد طالب

المياه هي العنصر الأساس لديمومة الإنسان وبقائه كما الهواء والتربة. والمياه أيضاً ثروةٌ وطنيةٌ واجبٌ على الجهات الرسمية كما المواطنين حمايتها من أي عبثٍ وتعدٍ واعتبار ذلك جرماً يُعاقب عليه.



لكن في لبنان الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، حيث لا حساب ولا عقاب. وانخفاض مستوى الوعي بأهمية هذا الامر دفع بسلامة المياه كما التربة والهواء الى ادنى مستوى، وبات من الواجب والملحّ المبادرة سريعاً لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف حال الاستهتار الحاصلة على أكثر من صعيد بإزاء بيئة الإنسان وصحته وسلامته، وللأسف فإن الشواهد كثيرة من الليطاني الى مكبات النفايات العشوائية منها والمقوننة إلى...



واقع عكار المائي لا يمكن وصفه إلا بالسيئ للغاية إذ ثمة ثروةٌ مائيةٌ هائلة أنعم الله علينا بها، ولكن الواقع المؤسف الذي تمر به هذه الثروة، والتي لها مكانتها الوطنية، تهدد بأبشع الكوارث وبالسوء الكبير المتعاظم كل لحظة لا سيما أن لا محاولات جدّية لإيقاف هذا التدهور الحاصل على صعيد الأمن المائي.

تبلغ كمية المتساقطات سنوياً في عكار نحو 1200 ملم، ينساب قسمٌ كبيرٌ منها الى المخازن الجوفية التي تغذي مجاري المياه السطحية من ينابيع وأنهارٍ عدّة منها ما هو دائم الجريان (البارد- الأسطوان- عرقة - الكبير الجنوبي...) فضلاً عن مجارٍ موسمية تنساب مياهها في الشتاء والربيع.




واقع المياه في عكار هو واقع مؤلم يتبدل تنازلياً نحو الأسوأ في ظل غياب السياسات المائية الواضحة غير المنسجمة مع فوضى التوسع العمراني وزيادة التعديات والرمي العشوائي للنفايات والمياه المبتذلة وتحويل كل مياه الصرف الصحي إلى مجار تصب كل سمومها لتمتزج في المياه السطحية وتتوسع في المياه الجوفية ملوثة كل ما في طريقها.

في السنوات الأخيرة انسحب هذا الواقع المؤلم على مناطق جبلية عدة كانت لفترة بمنأى عن هذا الأذى الحاصل من أكروم الى اعالي القبيات وعكار العتيقة وصولاً الى القموعة خزان عكار المائي الأساسي، مع توسع النطاق العمراني في هذه المناطق دون اي تخطيط او دراسات تلحظ شروطاً بيئية يفترض الالتزام بها لتفادي مخاطر التلوث، والتي لا بد ستنشأ مع زيادة النشاط السياحي والعمراني فيها.

وتبعاً لذلك أصبحت المقدرات المائية السطحية والجوفية على السواء عرضة للتلوث، وتالياً باتت تشكل تهديداً مباشراً على بيئة هذه المناطق ومحيطها وحياة عشرات الآلاف من السكان بخاصة سكان البلدات المجاورة، ويُنذر بسوء الوضع ارتفاع حالات الامراض ولا سيما السرطانية منها، فأصبح لزاماً دق ناقوس الخطر والتخاطب علمياً وبطريقة موضوعية لحماية المنطقة وتخفيف وطأة المسببات ومعالجة النتائج، على ان تقوم البلديات مجتمعة بالدور المنوط بها الى جانب كل المؤسسات المعنية لتتضافر كل الجهود لمواجهة هذا التحدي الذي يعتبر التحدي الأكبر.





ويشار في هذا السياق وللتدليل على ما يتم عرضه:

عام 2008 أعدّ خبير المياه الجوفية الهيدروجيولوجي الفرنسي الدكتور ميشال باكالوفيتش Michel BAKALOWICZ أحد أهم الخبراء العالميين في هذا المجال برفقة الدكتور سمير زعاطيطي بإعداد تقرير فني بعنوان: "تقرير ﻓﻨﻲ ﻋﻥ ﺍلكشف الميداني حزيران 2008 " منطقة ﻓﻨﻴﺩﻕ- مشمش ﻟﺒﻨﺎﻥ

COMPTE-RENDU DE LA VISITE DE TERRAIN EFFECTUÉE LE 10 JUIN 2008 À FNAIDEQ ET MICHMICH, LIBAN NORD

حيث قدم هذا التقرير معلومات هامة جداً تتضمن المعطيات التالية:

" سهل ﺍﻟﻘﻤﻭﻋﺔ: هي منطقة منخفضة ومغلقة من جميع الجهات تتكون من مجموعات ﺍﻟﺼﺨﻭﺭ ﺍﻟﻜﺭبوناتية - ﺍﻟﻜﻠﺴﻴﺔ، معدل اﺭتفاعها 1440 متراً ﻋﻥ سطح البحر وتتراكم في سهلاتها ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﺴﻁﺤﻴﺔ ﺍﻟﻨﺎﺘﺠﺔ من ﺍلأمطار وذوبان ﺍﻟﺜﻠوج ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺴﻬل ﻭتتسرﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺭﻓﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺩيثة ﺍﻟﺘﻲ تشكل ﺍﻟﺴﻬل ﻟﺘﻅﻬﺭ بعدها ينابيع صغيرة ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎطق ﺍﻟﻤﻨﺨﻔﻀﺔ من ﻓﻨﻴﺩﻕ وداخل آبار بلدة مشمش المجاورة.

الجرفيات المتراكمة داخل منخفض سهلات القموعة شكلت محليا مخزنا جوفيا صغيرا تتسرب مياهه الجوفية الى ﺍﻟﻤﺠﻤﻭﻋﺎﺕ الصخرية الكلسية الكارستية المتموضعة تحته حيث النفاذية الضئيلة لبعض مقاطع الجرفيات، ﻭﻏﺯﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﺘﺭﺍكمة ﻭﺍﻟﻤﺘﺴﺭبة ﻓﺼﻠﻴﺎ ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺴﻬل سهلت ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﺭتفاع منسوب ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﺠﻭﻓﻴﺔ وساهمت بارتفاع منسوب المياه لتغمر مناطق واسعة من سهل القموعة مشكلة بذلك بحيرة كبيرة نسبيا لا تلبث ان تغور مياهها مجدداً أواخر الربيع.

ويضيف التقرير: "ﺍﻟﻤﻭﻗﻊ ﺍﻟﺠﻴﻭﻟﻭﺠﻲ ﻭﺍﻟﺠﻐﺭﺍﻓﻲ ﻟﺴﻬل ﺍﻟﻘﻤﻭﻋﺔ ﻫﻭ ﻓﻲ قلب حوﺽ تغذية ﺍﻟﻴﻨﺎبيع ﺍﻟﺼﺨﺭية ﺍﻟﻜﺎﺭستية ﻟﺒﻠﺩﺓ ﻓﻨﻴﺩﻕ، ﺃﻫﻤﻬﺎ نبع ﺍﻟﻬﻭﺓ ﺍﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺭ لمصلحة ﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﺸﺭﺏ ﻭنبع ﻓﻨﻴﺩﻕ ﺍﻟﺫﻱ تستثمر ﻤﻴﺎﻫﻪ ﻷﻏﺭﺍﺽ ﺍﻟﺭﻱ.

ﻟﺫﺍ، ﻓﺈﻥ معالجة ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﺒﺘﺫﻟﺔ ﺍﻟﻨﺎتجة من ﺍﻟﻨﺸﺎطاﺕ الحياتية ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﻴﺔ ﻭالسياحية ﺍﻟﺘﻲ تصرف ﻋﺸﻭﺍئيا ﺩﻭﻥ معالجة ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺴﻬل ﻫﻲ ضرورية ﻟﺤﻤﺎية نوعية ﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻴﻨﺎبيع من ﺍﻟﺘﻠﻭﺙ."




وعن مكب النفايات قال التقرير:

"المكب موجود ، مباشرة ﻋﻠﻰسطح ﺍﻟﺼﺨﻭﺭ ﺍﻟﻜﻠﺴﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎئدة ﻟﺤﻴﻥ ﺍﻟﺴﻴﻨﻭمانياﻥ ﺍﻷسفل، ﺍﻟﺫﻱ يشكل ﺍﻟﻤﺨﺯﻥ ﺍﻟﺠﻭﻓﻲ ﺍﻟﺫﻱ يغذي نبع فنيدق تحته، وﻭجود ﻓﺎلق (كسر ارضي) ﻭﺇنشاء ﺍﻟﺤﻔﺭﺓ يجعل من موقع المكب موقعاً نموذجياً للتسرب السريع والمركز دون اي فلترة او حماية تذكر، ومعالجة موقع المكتب هي من الضرورات العاجلة".

وفي الختام قدم التقرير توصيات عدّة أهمها:

1- تحسين شبكة المياه المبتذلة لبلدة فنيدق

2 - حالة مجرى ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﻓﻲ ﻓﻨﻴﺩﻕ مفجعة ليس ﻓﻘﻁ ﻟﻠﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ وﻟﻠﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﺒﺘﺫﻟﺔ فحسب ﻭﻟﻜﻥ ﺃيضاً ﻟﻠﺭمي ﺍﻟﻌﺸﻭﺍئي ﻟﻠﻨﻔﺎيات ﺍﻟﺼﻠﺒﺔ ﻓﻴﻪ ﻭﺍﻟﺘﻲ يجب منعها تماماً ﻭتنظيف ﺍﻟﻤﺠﺭﻯ منها.

3- من ﺍﻟﻀﺭﻭﺭﻱ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ بحملات توعية ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺩﺍﺭﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺨﻁﺎﺭ ﺍﻟﻤﺤﺩﻗﺔ بهذه المنطقة الطبيعية الجميلة وذلك بالاشتراك مع المنظمات النشطة بيئياً، والقيام بحملات تنظيف تطوعية لكامل المجرى.

4- معالجة المياه المبتذلة قبل تصريفها

5- ايجاد مكان جديد للنفايات الصلبة ومعالجتها

6 - ضرﻭﺭﺓ معاﻟﺠﺔ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﺒﺘﺫﻟﺔ الناتجة من ﺍﻟﻨﺸﺎﻁﺎﺕ ﻓﻲ سهل ﺍﻟﻘﻤﻭﻋﺔ بواسطة تجهيزات مناسبة.

وتبعاً لما جاء في هذا التقرير العلمي، فإن كل هذه المعلومات المبنية على الكشف العلمي الميداني يجب أخذها بعين الاعتبار والتعامل معها بكل جدّية، إذا أردنا فعلاً حماية واحدة من أجمل مناطق لبنان على الاطلاق وحماية مقدراتها الطبيعية من ماء وهواء وتربة، وإلا فالكلّ متآمر وشريك في الجريمة التي ترتكب بحق عكار وشعبها.


إضافة الى ذلك، فإن المعالجة يجب أن تشمل ايضا كل مجاري المياه السطحية ومنها بالتأكيد مجاري الأنهر حيث أثبتت آخر الاختبارات التي تمت أخيراً على عينات من مياهها (اختبارات أجراها متخصصون من تجمع عكار الوطني) بأنها ملوثة وغير صالحة لا للشرب ولا للاستخدام المنزلي ولا للري حتى.

والكل يعلم بأن جميع الانهر الرئيسة تعبر سهل عكار ومياهها مصدر اساسي لري المزروعات وللجميع حرية اكتشاف ماذا يعني هذا الكلام.

أضف الى ذلك مئات الحفر الصحية المفرغة القعر والمُنشأة منذ زمن في محيط أو تحت الاف المنازل في مختلف قرى وبلدات عكار من السهل وصولاً حتى ارتفاع 1100 متر عن سطح البحر، وهي تسببت بأذى بيئي كبير بخاصة مع تلويث الآبار الارتوازية ما يعني ان ضررها طال المياه الجوفية لكل عكار.

والاكثر خطورة هو ما خلفته السموم والادوية الزراعية التي تم التصرف بها على نحو غير رشيد فأحرقت التربة ورفعت من منسوب ملوحتها الى اعلى المستويات وتسربت اجزاء من ترسبات هذه السموم الى المياه الجوفية ايضاً.

في خلاصة الأمور، إن بيئة عكار، مياهاً وتربة وهواء، بحاجة الى خطة طوارىء جدية على المستوى الوطني، ما يستدعي التحرك بسرعة وعلى كافة المستويات، فالكل مسؤول دولة ومواطنين.



"Poppins "و"Snips "ليسا آخر منتوجات ضاهر الدولية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard