لا إصلاح جدّياً ما لم يخرج القضاء من عباءة وزراء العدل الثقيلة

14 آذار 2019 | 09:44

مطرقة العدالة ( Pixabay )

نسمع منذ بدء ولاية الرئيس ميشال عون عن جدّية النيات في مكافحة الفساد وعن العزم على إنشاء هيئة عليا لهذا الغرض.

على رغم سوء الظروف الاقتصادية واستعجال الحكومة للبدء بالاستدانة المقررة وفق مؤتمر "سيدر"، إلاّ أن لا إنجاز حقيقياً تمّ إحرازه، ولا تقدم ملحوظاً طرأ، ليرويا ظمأ اللبنانيين إلى الحقيقة.

إن جلَّ ما نشهده اليوم لا يعدو كونه "همروجة" إعلامية.

فمكافحة الفساد بالقطعة، في هذه المرحلة، لا تكفي. أولاً، لأن الفساد مستشرٍ بشكل واسع جداً، ولأن إدانة موظفٍ أو إدارة بجرم الفساد، لن تمنع الخلف أو توقف ادارةً أخرى من ارتكاب الجرم نفسه. ثانياً، لأن هذا النمط في محاربة الفساد هو أشبه بمحاولة تضليل للرأي العام وتحويل انتباهه عن مكمن الخلل الحقيقي.

لا تُساق الحرب ضد الفساد بإطلاق بعض الأحزاب حملاتها عبر المنابر الإعلامية، قبل الرجوع الى القضاء، وقبل ممارسة نوابها صلاحياتهم الرقابية بإقامة التحقيقات القضائية، وبتوجيه أصابع الإتهام في اتجاه الخصوم، فيما لم تُجرِ هي نفسها – هذه الأحزاب - محاسبةً ذاتيةً ولو من باب إبداء حسن النية. الأمر الذي يثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية لهذه الأحزاب وحول صدق نياتها.

فهل تظن هذه الأحزاب أن نهجها هذا يزيدها شعبيةً وصدقية؟

في الواقع، إن الإصرار على الظهور بمظهر الفريق النزيه والمدافع عن حقوق الناس والمال العام، هو أمرٌ لم يعد يمرّ بسهولة، لأن التاريخ والحاضر أثبتا أن كل حملات الأحزاب الشعبوية والسلطوية في العالم كانت ولا تزال حملات ضد الفساد، من بوتين في روسيا إلى أوربان في المجر وترامب في اميركا وبولسونارو في البرازيل.

يظهر هذا الكلام في كتاب "كيف تعمل الفاشية؟" للمفكر الأميركي جايسن ستانلي من جامعة ييل.

فهذه الحملات التي ترفع من شأن الزعيم وتستقطب حوله المؤيدين، تنقل ما في زعيمها وحزبه من عيوب لتُلبسها للخصوم، فتسمح لهذا الزعيم في النهاية بترداد ما قاله أردوغان يوماً: "نحن الشعب، من أنتم؟".

كما ان ضبط الفساد لا يتحقق بنقل مهام القضاء الى الشارع ليتولّى المواطنون المصطفّون خلف معسكراتهم الحزبية، عمل القضاة والمحامين فيصدرون الأحكام تارةً ويتوكلون بالدفاع الشرس والأعمى عن زعاماتهم تارةً أخرى، في دولةٍ اعتنى حكّامها اعتناءً دقاً في إبقاء شعبها منقسماً إنقساماً عبثياً.

لذلك، إن على من يدّعي الحرص على الوطن أن يمتنع عن تحريض الشعب بعضه على بعض. وأن يضع الإصبع على الجرح ويقول الحقيقة كما هي. فالفساد هو نتيجة، والأصل فيه يعود الى تعدّي السياسة على القضاء، وهذا التعديّ له اسم وهو ليس شبحاً. تجدونه في المرسوم الاشتراعي رقم ١٥٠/٨٣ الذي ينظم عمل القضاء العدلي، وفي بعض مواد القانون الصادر بالمرسوم رقم ١.٤٣٤ سنة ١٩٧٥ الذي ينظم القضاء الإداري.

إن هذه النصوص القانونية سمحت لوزراء العدل بالتدخل في كل شؤون القضاء والقضاة وأعطتهم صلاحيات واسعة جدا، في حين ان السلطة القضائية وفق الدستور هي سلطة مستقلة.

لا مجال لأي إصلاح جدّي ما لم يخرج القضاء من عباءة وزراء العدل الثقيلة.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard