بحثاً عن "الحديد الإيراني المغشوش الّذي يُراد إدخاله إلى لبنان": إليكم التّفاصيل

13 آذار 2019 | 18:21

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

عامل بناء وقضبان حديد في ورشة بناء (ساو باولو، البرازيل، Unsplash/Guilherme Cunha).

بضع كلمات فقط للتحذير. هذا هو "الحديد الإيراني المغشوش الذي يُراد إدخاله إلى لبنان". والدليل المزعوم يظهر في فيديو مرفق بالبوست. قضيب الحديد ينكسر بسهولة، بضربة واحدة. والضربة الثانية تحسم الامر: الحديد ليس حديدا. واذا كان الكلام غير مفهوم، فإن بطاقة تعريف صوّرتها الكاميرا تختصر الكثير: الشركة المصنّعة ايرانية، والمصدر إيران.

قبل ايام، انشغل اللبنانيون بهذا التحذير على وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن ما حقيقة هذا الفيديو؟ وهل هناك "حديد ايراني مغشوش يراد ادخاله الى لبنان"، وفقا للزعم؟ وماذا يقول المسؤولون المعنيون بهذا الشأن؟

"النّهار" دققت وسألت من أجلكم

النتيجة: الفيديو المتناقل على وسائل التواصل الاجتماعي قديم، بحيث يعود الى عام 2015. ومع انه لا يشكل دليلا على حصول تهريب "لحديد ايراني مغشوش الى لبنان"، الا ان نشره تزامن مع انتشار ما سُمِّي "فضيحة إغراق السوق المحلية بكميات كبيرة من الحديد الإيراني المهرّب من سوريا الى لبنان، وباسعار مخفضة، ومن دون اخضاعه لفحوص تثبت مطابقته للمواصفات اللبنانية".

وفي هذا الاطار، قال وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش لـ"النهار" ان "اي مستند رسمي لم يرد اليّ ليبلغني بحصول تهريب لحديد ايراني عبر الحدود اللبنانية". كذلك، أكد رئيس مصلحة المختبرات في معهد البحوث الصناعية الدكتور جوزف متى "دخول حديد ايراني المصدر الى لبنان، عبر المعابر الرسمية- عن طريق تركيا، مرورا بسوريا- وهو يتوافق مع المواصفات اللبنانية".

البوست المتناقل على وسائل التواصل الاجتماعي.

الوقائع: الفيديو سريع. 46 ثانية. الاختبار يبدأ من اللحظة الاولى. رجل بنظارتين سوداوين على الوجه، يحمل قضيب حديد، ويضربه مرتين بحاجز اسمتني. وللمفاجأة ينكسر القضيب. ثم يحمل قطعة كبيرة منه وقعت على الارض، ويضربها مجددا بالحاجز الاسمنتي، لتنكسر بدورها بسهولة، كأنها قطعة طبشور. انتهى الاختبار. تقترب الكاميرا لتصور "قلب" قطعة الحديد، ثم تركز على بطاقة تعريف حملها الرجل نفسه. وقد كتب عليها بالاحمر، بالفارسية: "صبا فولاد زاگرس"،

وبالانكليزية: Saba Foulad Zagros Co.

www.sabasteel.ir - Made in Iran

وتصوّر الكاميرا ايضا الجهة الخلفية للبطاقة. وكتبت عليها بالاسود معلومات عن قضيب الحديد المصنّع: النوع، سايز (ميليمتر) 32، طول (ميليمتر) 12، تاريخ توليد (09/01/1394)، وزن (كيلوغرام) 2041... وينتهي التصوير بمشاهد سريعة متلاحقة ظهرت فيها اكوام من قضبان الحديد، وشاحنة نقل كانت تحمل اعدادا منها.

منذ 6 آذار 2019، تكثف تناقل الفيديو على حسابات وصفحات لبنانية على وسائل التواصل الاجتماعي، مع تحذير: "الحديد الإيراني المغشوش الذي يُراد إدخاله إلى لبنان".

التدقيق:

-بموجب البحث على الانترنت، يتبين ان الفيديو قديم، بحيث امكن ايجاد آثاره ابتداء من عام 2015. في 13 حزيران 2015، تناولته مواقع اخبارية مصرية. وعنون موقع "بوابة الفجر" المصري الفيديو: "نشطاء يكشفون غش حديد التسليح الإيراني".

وقد واصل الفيديو انتشاره عام 2016، بحيث امكن ايجاده، بالاستعانة بـ"InVid"، على مواقع تواصل روسية، وايضا على قنوات عربية في الـ"يوتيوب" في فترة لاحقة.

-الملاحظ ان نشر هذا الفيديو القديم تزامن مع اثارة ما سُمِّي "فضيحة تهريب الحديد الايراني الى لبنان عبر مرفأ طرطوس من دون رسوم جمركية وضرائب، وبَيْعه في لبنان بسعر يقلّ 25% عن سعر الحديد المستورد شرعاً"، وذلك ابتداء من 4 آذار 2019. وتناولت اخيرا مواقع اخبارية محلية عدة هذا الموضوع، بحيث عبّرت عن "شكوى أصحاب شركات لبنانية مستورِدة لمادتي الحديد والصلب، من إغراق السوق المحلية بكميات كبيرة من الحديد الإيراني المهرّب من سوريا إلى لبنان"، و"من دون إخضاعه لفحوص المختبرات التابعة لمعهد البحوث الصناعية للتأكد من أن مواصفاته مطابقة للمعايير الدولية المعمول بها في لبنان". ونقل بعضها عن مصدر مطلع لم تكشف هويته أن "بواخر إيرانية محمّلة بالحديد تفرغ حمولتها في مرفأ اللاذقية، ويتم نقلها إلى بيروت بواسطة شاحنات، وبيعها في السوق اللبنانية بسعر مخفض، وهو أقل من 150 دولاراً للطن الواحد".

صورة مقتطعة من الفيديو.

هل يتم ادخال "حديد مغشوش" إلى لبنان؟

1-"النهار" اتصلت بوزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش الذي قال: "نحن كدولة لبنانية، ملتزمون تطبيق القوانين والاتفاقات الدولية. كذلك، نحن على تواصل دائم، كوزارة اقتصاد، مع الجمارك اللبنانية التي تبذل جهودا حثيثة لمكافحة كل انواع التهريب عبر الحدود اللبنانية. والجمارك تقوم بدورها في هذا المجال".

هل وصلت اليك معلومات عن تهريب حديد ايراني مغشوش؟ أجاب: "لقد سمعت الكلام المتداول. لكن لم يصل اليّ اي مستند رسمي يبلغني بحصول تهريب لحديد ايراني عبر الحدود اللبنانية". ويتدارك: "اما اذا كان هناك اشخاص يستوردون الحديد من بلد، وينقلونه من بلد آخر الى لبنان، فهذا امر يحصل في التجارة. لكننا نحترم، كدولة لبنانية، القوانين اللبنانية والاتفاقات. ومديرية الجمارك حريصة على عملها، وتبذل جهودها في هذا المجال".

قضبان حديد (صورة تعبيرية، Adobe Stock).

2- ردا على اتصال "النهار"، أكد رئيس مصلحة المختبرات في معهد البحوث الصناعية الدكتور جوزف متى ان "اي حديد يستورد الى لبنان يخضع لفحوص، تنفيذا لمرسوم الزامي يربط فحصه بمعهد البحوث الصناعية".

سألنا عما يُزعَم عن تهريب حديد ايراني مغشوش الى لبنان، وكيفية كشفه؟ أجاب: "اكتشاف هذا التهريب ليس من اختصاص المعهد. لا يمكن ان نعرف، لان لا علاقة لنا بذلك. نحن لا نتعامل الا مع البضائع التي تصل الى الحدود. ودورنا يقضي بفحص اي بضائع تصل الى المرافىء الرسمية، البرية والبحرية، بعد ان تحيلها على المعهد الجمارك اللبنانية، عبر البيان الجمركي. وبموجبه، نفحص عينات من هذه البضائع لنرى اذا كانت تتطابق مع المواصفات اللبنانية، بغض النظر عن مصدرها، باستثناء تلك التي مصدرها اسرائيلي". وبنتيجة هذه الفحوص، "يصدر المعهد تعميما بمنع دخولها الى لبنان او السماح به".

شرط آخر يستوجب تحقيقه قبل اخذ عينات من اي بضائع تصل الى الحدود اللبنانية: "يجب اولا ان يكشف خبراء الطاقة الذرية على البضاعة للتأكد من خلوها من اي اشعاعات، بما يسمح لنا بأخذ عينات والقيام بدورنا".

بالنسبة الى موضوع الحديد المستورد من ايران، اعرب متى عن اعتقاده ان "الاستيراد لا يتم مباشرة من ايران، بل يتم عن طريق تركيا بالبواخر، مرورا بمرفأ اللاذقية في سوريا، وبرا عبر معبر العبودية في طرابلس". غير ان الفواتير والرسوم البيانية المرفقة بالبضاعة، تبيّن ان "مصدر الحديد ايران". "Made In Iran"، وفقا للمكتوب.

في المعلومات، "وصلت اخيرا بواخر محملة بالحديد الايراني الى مرفأي صيدا وبيروت، الى جانب شاحنات نقلت حمولات برا". وأكد ان "هذا الحديد الذي دخل لبنان يطابق المواصفات اللبنانية، مئة في المئة، والا لما سمحنا بدخوله".

وهل تم ضبط حديد ايراني المصدر، مغشوش، لا يستوفي المواصفات اللبنانية؟ اجاب: "ولا مرة. الحديد الذي وصل الى لبنان، ومصدره ايران، يتوافق مع المواصفات اللبنانية".

-"النهار" حاولت الاتصال بالمدير العام للجمارك بدري ضاهر لسؤاله عن "تهريب حديد ايراني مغشوش". لكن لم نتمكن من الحصول على جواب. 

-ملاحظة اخيرة تتعلق بالاسم الذي ظهر على بطاقة التعريف في الفيديو المتناقل. Saba Foulad Zagros. وفي التعريف، انها شركة إيرانية لتصنيع حديد التسليح، ومقرها في طهران. تأسست في كانون الاول 2009 كشركة خاصة، وتعتبر واحدة من "الموردين الرئيسيين للصلب في المنطقة". 

النتيجة: نعم، تم ادخال حديد ايراني الى لبنان، عبر المعابر الرسمية، عن طريق تركيا، مرورا بسوريا. "وهو متوافق مع المواصفات اللبنانية"، على ما اكد معهد البحوث الصناعية لـ"النهار". اما بالنسبة الى "تهريب حديد ايراني مغشوش" الى لبنان، فقد أكد وزير الاقتصاد "عدم ورود اي مستند رسمي اليه بهذا الشأن". بحثا عن الفيديو الذي نُشر كدليل على هذا "الحديد الايراني المغشوش"، فقد تبيّن انه قديم، ويرجع الى عام 2015. 

hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard