قريباً منك

13 آذار 2019 | 12:03

المصدر: النهار

قررتْ أن تمنح نفسها هدية...

ستحاول جاهدة أن تكون هديتها مُرضية لها، كافية لتعيش بضع لحظات من السعادة؛ قررت أن تقترب منه فعلاً، تراه عن قرب، تستمع لصوته وحديثه موجه إليها فقط. قررت أن تستمتع بلحظات صمته، تنظر في عينيه، تقرأ ملامح وجهه، تحفرها للمرة الألف في قلبها، تدفئ روحها فقط بقربه منها.

ولأن هذه الهدية كانت موجّهة منها إليها، حاولت أن تستعدّ لتُسعد نفسها، فلم تختر ملابس تُظهر أنوثتها بقدر ما تُبرز إحساسها في ذلك اليوم، ملابس خفيفة مريحة مرحة، كأنها فتاة صغيرة، هكذا تشعر بجانبه، وهكذا يشعر قلبها في وجوده، يشعر كأنه قلب وُلدَ حديثاً، ما زال يحبو في مهد من يُحب، قلب وُلِدَ ليحبه هو فقط.

كانت تعلم أن تواجدهما معاً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، لكنها لا تعرف كيف أن هذه الحقيقة تُزيد من قربهما وتُعلّق قلب كل منهما بالآخر أكثر، كأن البُعد يزيدهما قرباً، بل ويمنح كلاً منهما قوة على مواجهة الحياة الصعبة التي يعيشها كلاهما. يصاحبها ظلّه، تتبادل معه أحاديث طويلة، يتخللها الشوق، وأحياناً العتاب على طول الغياب والعناد. تنتظره كل ليلة ليأتيها في الحلم، تترك شعرها ينساب بنعومة على ثوبها الحريري، تتعطّر، تضع أحمر شفاه بلون وطعم الكرز، تنثر في الهواء قطرات من العطر الذي يضعه، لتشعر به بجانبها.

لن تسمح بأي شيء يُفسد عليها هذه الهدية الخاصة جدًا، حتى قرارها بالبقاء في جانب بعيد من حياته، احتفظت به لنفسها حتى تلقاه. كان قلبها يتراقص فرحاً مع دقات الساعة التي تتناقص دقائقها لتُعلن عن اقتراب الموعد. وهي تنظر إلى المرآة لمعت الدموع في عينيها، لا.. لا.. هي لا تريد دموعًا اليوم، حقًا هي تبكي كل يوم وكل ليلة من شوقها إليه، لكنها تريد أن يرى صورته في عينيها خالية من أية دموع، فقط يرى مدى لهفتها عليه. إنها تريد أن يكون لها ولو لبضع لحظات، لتمحو عنه كل ألم.

سارت إليه حيث ينتظرها، تبادلا السلام بصوت يملؤه الشوق، ينطق بكلمات عادية لكنها تقطر حبًّا، وكعادته عند كل لقاء، أهداها كلمات غزل رقيقة وجميلة. شكرت الشمس التي كانت ساطعة لتعطيها فرصة لإخفاء شوقها إليه خلف النظارة الشمسية، شكرت السعادة التي غمرت صوتها وأخفت ارتعاشة اللهفة عليه، تلامست الأيدي في مصافحة سريعة متحدية رغبة كل منهما في احتضان يد الآخر بدفء. كانت إلى جواره وهو يقود السيارة، مسلّمة أمرها تمامًا، كأنه يقود كل حياتها في هذه اللحظة.

أخيرًا هي بجانبه، تستمتع بالقرب منه، تُغمض عينيها أحياناً لتعيش معه بكل ذرة في كيانها. وصلا إلى مكتبه سريعاً، ولامت الطريق لأنها لم تكن مزدحمة بما يكفي لتبقى بقربه أكثر. شاركته كل لحظة في يوم عمله، شاركته الطعام والشراب، لقد أهداها هو الآخر تفاصيل من حياته اليومية لتعيش عليها لأيام وشهور، وربما لسنوات.

أمضت معه الساعات سريعاً كأنها دقائق، حتى أبلغته بقرارها، وعلى وجهها ابتسامة تخفي الألم الذي تشعر به يمزق قلبها، وبادرها بالسؤال: "لماذا كان هذا اللقاء إذن؟"، أجابته بصوت يملؤه الحب مختنق بالدموع "لأنك حقيقةً... و ح ش ت ن ي".

انطلقا ليحضرا اجتماع عمل، وبينما تقف بجواره في المصعد، حافظ هو على بقاء مسافة بينهما، رغم اشتياق كل منهما للمسة حانية من الآخر، تُخفّف عنه ما يشعر به من ألم، بعد قرارهما القاسي. ازدحم المصعد في الطابق الثالث، اقتربا من بعضهما أكثر، تلامست ملابسهما، سرت ارتعاشه في جسدها كانت كافية لأن تزلزل كيانها. راقبته وهو يحاول جاهداً ليبعد يده عن يدها، مرت الدقائق طويلة كأنها سنوات، إلى أن وصلا إلى الطابق الرابع. سنوات من الحرمان عاشتها وتعيشها وهي تدّخر هذه اللمسات له وحده، رغم أنه، كما يبدو، ليس مقدّرًا لهما أن يقتربا في الحياة أكثر من تقاربهما في مصعد مزدحم. انتهى الاجتماع سريعاً، وهو يراقبها كأن لا يوجد غيرها في المكان، وهي تحاول أن تتجنّب النظر إليه كي لا يرى الآخرون نظراتها إليه. الدقائق السابقة استنفدت كل ما تبقّى لديها من قدرة على التظاهر.

حان موعد الذهاب، بادلها بعض الكلمات، نادها فيها باسمها الذي ينطلق كالعصفور من بين شفتيه، يرفرف له قلبها، ينتشي لسماعه منه، كأنه يحمل كل ما يشعر به من إحساس. تركها في السيارة بمفردها لدقائق، حاولت أن تلمس كل ما لمسته يديه لتشعر به كما اعتادت أن تفعل، لكنها لم تستطع هذه المرة. بماذا سيفيد إذا كانت ستُحرم منه بعد عدة دقائق؟ لكن يدها تحركت رغمًا عنها ممسكة بآخر مكان وضع يده عليه ومازال يحتفظ بدفئها. انشغلت بالسيطرة على دموعها، حتى أنها لم تشعر به عندما حضر.

انطلق بالسيارة سريعاً، وهي بجانبه، وتذكرت يوم سارت خلفه، وتمنت أن تكون بجانبه إلى الأبد، ليس فقط إلى أن تنتهي الطريق إلى منزلها. وبينما هي غارقة في هذه الأمنية كأنه يقرأ أفكارها، ذكّرها بذلك اليوم الفارق في حياة كل منهما. شعر بالألم هو الآخر من عدم تحقق أمنيتهما، طلب منها أن تفكّر في نفسها وحياتها بعيداً عنه، ببراعة راح يرتّب لها أوراقها المبعثرة، ويضع أمامها اختيارات عدة لتعيش حياتها كما يحلو لها، خالية القلب والعقل. أمام رفضها العنيد لكل ما طرحه من اختيارات، وصوتها المتعب المنهك الذي يؤكد له أن قلبها ليس فارغاً، ولن يكون أبداً مهما يكن بينهما من بُعد، صاح فيها بعصبية، وقال "يجب أن يكون فارغًا، من تحبيه لم يعد موجودًا، أنا لا أريدك". اهتزت لكلماته القاسية، رغم يقينها أنه لا يعنيها، بل يحاول إيجاد طريق لتسعد بعيدًا عنه، لكن كبرياءها آلمها. رفض أن يعترف بأن هذه الكلمات غير حقيقية. أجابته بصوت تملؤه الدموع أن يكفّ عن هذه الكلمات، فكل محاولاته لإبعادها عنه باءت بالفشل، هي لا تطلب منه شيئاً، ولا أن يبادلها الحب.

فقط... طلبت أن يتركها لتعيش في جانب بعيد من حياته، لكن قريبًا من قلبه.

فإذا كانت هي جزءاً من حياته، فلها قلب هو كل حياته...

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard