كيف يمكن روحاني استثمار زيارته العراق؟

12 آذار 2019 | 10:24

المصدر: "النهار"

الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلاً نظيره الإيراني حسن روحاني - "أ ف ب"

تحمل زيارة الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني العراق أبعاداً متعدّدة. منذ ستة عشر عاماً وفي هذا الشهر تحديداً، اجتاحت الولايات المتّحدة العراق مسقطة نظام صدّام حسين الأمر الذي مكّن الإيرانيّين من بسط نفوذهم في بغداد مع مرور الوقت ومنها إلى عواصم عربيّة أخرى.

اللافت أيضاً في زيارة روحاني أنّها أتت بعد أقلّ من ثلاثة أشهر على زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قاعدة عين الأسد الأميركيّة في العراق. تعليقاً على تلك الزيارة، قال روحاني آنذاك إنّها أتت تحت جنح الظلام ولذلك هي حملت طابع "الهزيمة" لواشنطن مشيراً إلى أنّه كان من المفروض بترامب أن "يمشي في شوارع بغداد... لمعرفة كيف سيستقبلك الشعب". وعاد روحاني قبل توجّهه إلى العراق ليؤكّد "عدم إمكانيّة المقارنة" بين علاقات طهران وبغداد التي ترتدي سمة "خاصّة" من جهة و بين بغداد وواشنطن من جهة أخرى.

عقوبات وعقود

تأتي زيارة روحاني أيضاً في وقت تفرض واشنطن عقوبات على إيران بعد انسحابها من الاتّفاق النوويّ. ولا تزال واشنطن توسّع مروحة عقوباتها حتى شملت الأسبوع الماضي حركة "النجباء" وزعيمها أكرم الكعبي لارتباطهما بإيران. ولعلّ التخفيف من وطأة هذه العقوبات يُعدّ أحد أبرز أهداف خطوة الرئيس الإيرانيّ. حصلت بغداد على إعفاء منها بعدما بادرت للتقدّم بهذا الطلب نظراً لارتباط الاقتصاد العراقيّ بالاقتصاد الإيرانيّ.

فمن آذار 2017 وحتى آذار 2018، بلغت صادرات طهران من البضائع إلى العراق 6 مليارات دولار، وفي سنة 2017، وصل الحجم الإجماليّ لعقود الطاقة بين البلدين إلى 12 مليار دولار. وأوضح رئيس الوزراء العراقيّ عادل عبد المهدي في 11 كانون الأوّل الماضي أنّ استيراد الغاز الإيرانيّ أساسيّ بالنسبة للطاقة الكهربائيّة في العراق. لذلك، توصّلت الولايات المتّحدة إلى اتّفاق مع العراق في 20 كانون الأوّل لتمديد الإعفاء الأوّل (45 يوماً) ب 90 يوماً إضافيّاً.

لكن في الوقت نفسه، شجّعت واشنطن العراق على تطوير قطاعين خاصّين به للغاز والطاقة، إذ زار وزير الطاقة الأميركيّ ريك بيري بغداد في الشهر نفسه برفقة وفد من غرفة التجارة لترويج فكرة استثمار واشنطن في هذا القطاع.

لإيران الكثير من المصالح الاقتصاديّة التي يمكن تحقيقها من خلال زيارة روحاني الذي يرافقه وفد من مسؤولين بارزين للتوقيع على عقود في مجالات متنوّعة. فمن بين تلك المرتقب التوقيع عليها بحسب صحيفة "طهران تايمس"، خطوط سكك الحديد بين خرمشهر والبصرة، تنمية مناطق صناعيّة، مسألة إصدار تأشيرات الدخول، العلاقات الجمركيّة والتعاون في القطاع الصحّي إضافة إلى إعلان الجزائر سنة 1975 والذي يرسم آليّة حل الخلافات الحدوديّة. وبعدما وصف السفير الإيرانيّ في بغداد إيرج مسجدي زيارة روحاني ب "نقطة التحوّل" في العلاقات الثنائيّة أشار إلى أنّ محاولة إيصال حجم التجارة المتبادلة بين البلدين إلى 20 مليار دولار.

تجاذب عنيف

تظهر التحرّكات الأميركيّة والإيرانيّة إضافة إلى تصريحات روحاني كيف يستمرّ العراق في تشكيل إحدى أهمّ ساحات الصراع على النفوذ بين واشنطن وطهران في الشرق الأوسط. في 3 كانون الثاني الماضي، طالب الباحثون في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" كاثرين باور ومايكل نايتس وبلال وهاب الحكومة الأميركيّة بإجراء مناقشات لسياسة مشتركة بين الوكالات الأميركيّة "لضمان أن يكون مجلس الأمن القوميّ ووزارة الخارجيّة ووزارة الخزانة ومجتمع الاستخبارات وإدارة الطاقة متّفقين على الهدف نفسه" إزاء العلاقة مع العراق ومنع بغداد من تقديم فرصة لطهران كي تلتفّ حول العقوبات. وأشاروا إلى أنّ هذه الإجراءات تحقّق مصالح واشنطن الخاصّة لكنّها مفيدة للعراقيّين أيضاً، إذ بإمكانهم وقف إهدار الغاز العراقي المقدّرة قيمته ب 2.5 مليار دولار سنويّاً واستغلاله بدلاً من شرائه من إيران. وحثّوا العراقيّين عل تنويع مزوّدي الكهرباء للحصول على استقلاليّة أفضل، إضافة إلى تعزيز الشفافية وحماية الروابط العراقيّة الحيويّة بالنظام الماليّ الدوليّ.

أطلقت أزمة الطاقة في الصيف الماضي موجة احتجاجات شعبيّة في البصرة وجنوب العراق عموماً وهي مناطق مؤيّدة تقليديّاً لإيران بعدما قطعت الأخيرة إمدادات الطاقة عن البلاد في ظلّ موجة حرّ قاسية. ووصل الأمر في تمّوز إلى مهاجمة القنصليّة الإيرانيّة في البصرة وإضرام النيران فيها ممّا دفع طهران إلى الطلب من رعاياها مغادرة المحافظة. ولا تزال هذه المناطق تشهد احتجاجات متقطّعة تطالب بتحسين الخدمات الإنتاجيّة والصحّيّة وتخفيض نسبة البطالة.

بالمقابل، أغلقت الولايات المتّحدة قنصليّتها في البصرة أيلول الماضي بسبب ازدياد تعرض المنشآت والديبلوماسيين الأميركيين في العراق ل "التهديدات" و "النيران غير المباشرة" من الحكومة الإيرانيّة بحسب وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو الذي حمّلها "مسؤوليّة مباشرة عن أي أذى" يتعرّض له الديبلوماسيّون في العراق.


اللقاء الذي يوجّه عبره رسالتين

في وقت تشكّل زيارة روحاني فرصة لتحسين العلاقات الثنائيّة ومحاولة تخفيف التضييق الماليّ الذي تعيشه طهران، بإمكان الرئيس الإيرانيّ توجيه رسالتين على الأقلّ حين يلتقي بالمرجع الشيعيّ البارز علي السيستاني غداً الأربعاء كما هو مرتقب.

وكان السيستاني قد رفض لقاء الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد سنة 2008 وكذلك فعل حين زار العراق مرّة ثانية سنة 2013. ورفض السيستاني أيضاً لقاء مبعوث المرشد الإيرانيّ الأعلى محمود الهاشمي الشاهرودي سنة 2017 حين كان يشغل موقع رئيس مجمع مصلحة تشخيص النظام.

إذاً ما الذي يمكن أن يعنيه هذا اللقاء بالتحديد؟ يجيب مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدوليّة" علي فائز على سؤال "النهار" بالإشارة إلى ثلاث ركائز أساسيّة، مؤكّداً بداية أنّ هذا اللقاء هو الأوّل من نوعه بين رئيس إيرانيّ يؤدّي مهامه وآية الله السيستاني. فائز، بروفسور مساعد في جامعة "جورج تاون" الأميركيّة، أوضح أيضاً أنّ هذه الزيارة تبرز "دعم أعلى سلطة دينيّة في العالم الشيعيّ لمقاربة روحاني الأكثر براغماتيّة للسياسة (عموماً) والسياسة الخارجيّة".

قد يكون لهذه النقطة تأثير بارز على موقع روحاني في الداخل. فبعد الاشتباك السياسيّ مع المتشدّدين، وبعد المشاكل التي واجهت وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف في الآونة الأخيرة والتي دفعته إلى تقديم استقالة رفضها روحاني، أمكن الأخير أن يؤكّد قدرة سياسته على الوصول إلى مراكز قرار بارزة في العراق، فشل المتشدّدون بالوصول إليها سابقاً.

بالمقابل، ليس الردّ على سياسات واشنطن بعيداً من أحد جوانب هذا الاجتماع بحسب فائز: "هو يسلّط الضوء على العلاقات الثقافيّة والدينيّة الوطيدة بين العراق وإيران المنيعة أمام حملة الضغط الأميركيّة التي تهدف إلى عزل إيران".

تذوقوا الأرز بالحليب النباتي...طبقٌ من دون دسم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard