"الضناويّات" يتحدّين الواقع

8 آذار 2019 | 13:02

الضنيه النهار.

في ظل النظم الاجتماعية التقليدية الممنوحة للرجل، وفي ظل الأحكام والمبادئ الذكورية التي تسود المجتمع اللبناني، تخوض المرأة اللبنانية حرباً لاختراق جدار التمييز المتجذّر في الاقتصاد والقانون والسياسة وحتّى الأسرة. فتزيد اللامساواة التي تفرضها الدولة بشكل صارخ بقوانيها من مرارة هذا الواقع الذي تعيشه غالبية النساء في لبنان وإن كان بدرجات متفاوتة. تواجه المرأة التي تعيش في بيئة مهمّشة وفقيرة معوّقات اجتماعية واقتصادية أكثر من المرأة التي تعيش في بيئة مغايرة.

الواقع النسائي في الضنية

ففي منطقة الضنية شمالاً، والتي تُعد من أكثر المناطق هشاشة في لبنان، لاتزال النساء يجدن صعوبة في الحصول على التعليم، ويواجهن العديد من العقبات لإثبات أنفسهن على الساحة الاقتصادية. وتقاتل النساء من أجل الحصول على عمل وعلى أجور أفضل أسوة بالرجال. وبحسب تقرير البنك الدولي عن "الوظائف في شمال لبنان" والذي تناول طرابلس والمناطق المجاورة بها، تبيّن أنّ ثمة تفاوت جندري صارخ في سوق العمل.

وتدخل نسبة قليلة من الإناث سوق العمل، إلا في وظائف محددة كالتعليم والتمريض وبعض الأعمال المكتبية. وبالإضافة إلى وجود ضغوطات اجتماعية تقوِّض المرأة بدءاً من السلطة الأبوية إلى السلطة الزوجية التي تحكم أدقّ التفاصيل في حياتها الشخصية، وصولاً إلى سلطة المجتمع الذكوري التي تقيّدها بعادات وتقاليد فارغة تصب دائماُ في مصلحة الرجل على مختلف المستويات.

الأطراف المهمّشة أصلاً

وإذا كان واقعياً القول إنّ التمييز ضد النساء حاصل في كل لبنان (والعالم)، يبقى الإضاءة على أنّ أكثر النساء تهميشاً على مختلف المستويات يتمركزن بعيداً عن الحياة المدنية بمعناها الكبير. أي بعيداً عن المدن أو المجمّعات الاجتماعية السكانية الكبيرة، كحال بيروت وطرابلس وصور وغيرها. فمناطق الأطراف اللبنانية مهمّشة أساساً ومشاريع الدولة لا تطالها على مستوى التنمية والتطوير. وبالتالي تلك حال كل قاطنيها، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً. وبذلك يكون تهميش النساء مضاعفاً، على اعتبار أنّ الأولويات تنموية وخدماتية (تأمين الطاقة، الطرقات، الطبابة والاستشفاء...)، وبعدها يمكن للناس في هذه المناطق النظر إلى واقع النساء وأحوالهن والمطالبة بحقوقهن. كانت هذه الحال عموماً في الضنية وغيرها من المناطق البعيدة عن مراكز القرار. لكن ما لم يلتفت إليه الناس أنّ واقع التهميش العام سيبقى ويستمرّ في ظلّ منظومة حكم مماثلة، فلما لا العمل على تعزيز دور النساء في ظلّ ذلك الواقع؟ بدءاً من التعليم إلى سوق العمل وفتح أبوابه أمام النساء، أو حتى في إقامة مشاريع محلية صغيرة تساعد النسوة العاطلات عن العمل في الإنتاج، لتأمين مدخول من جهة والنشاط على المستوى الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى.

وعلى الرغم من جملة العقبات ومن غياب القوانين التي تحمي المرأة وتكفل مشاركتها بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، تمكّنت بعض النساء في هذه البقعة المهمشة من كسر الصور النمطية وتجاوز سلطة الرجل وهيمنته وتقليص سلطة بعض العادات وتحقيق انجازات عظيمة. إنجازات قد تبدو صغيرة بالنسبة للبعض، إلّا أنها تعني الكثير لهذه النساء وما تمكّن من فعله على المستوى المهني والشخصي والاجتماعي. وإليكم أربعة نساء، من ضمن كثيرات في الضنية، عملن في مجالات وأبدعن بها أو كسرن جدار التقاليد. فأعطين بذلك قوة الدفع لنساء الضنية لأخذ المبادرة ودخول التحدي.

ايناس عبد العزيز

استطاعت سيدة الأعمال "الضناوية" إيناس عبد العزيز، صاحبة احدى الشركات، أن تفرض مكانة لها في عالم الدعاية والإعلان متحديةً المجتمع الذكوري الذي يرفض أن يرى المرأة في موقع السلطة والقرار. فتقول إيناس في مقابلات عديدة إنها حوربت كثيراً لكونها امرأة، إلّا أنها نجحت في مشوارها وحققت الكثير.

ربى شفشق

ربى شفشق، هي الامرأة الوحيدة في قضاء "المنية-الضنية" التي تتبوأ منصب "قائمقام" في قضاء بشري. كسرت شفشق الصورة التقليدية للمرأة لتثبت فعاليتها وقدرتها على الإنتاج والقيادة في القطاع العام وعلى مستوى الإدارة العليا. فيأتي اسم ربى شفشق دليلاً على قدرة النساء على خوض تجربة صناعة القرار والإدارة دون تقييد وتحديد دورها ومهامها وصلاحياتها.

ميرنا شاهين

انتُخبت ابنة الضنية المهندسة الزراعية والمستشارة البيئية ميرنا شاهين من بين النساء الرائدات في لبنان في المجال البيئي. فقد حققت نجاحات وإنجازات عديدة على الصعيد البيئي والزراعي على المستوى المحلي، إضافة إلى عملها في مجال الجمعيات والتنمية على المستوى البيئي في أكثر من منطقة لبنانية وفي بعض البلدان العربية. وتجسّد ميرنا شاهين، صورة المرأة الخبيرة في مجال عملها، القادرة على الريادة والتطوير.

تغريد الشامي

هي أول شرطية في قضاء الضنية. التحقت بجهاز الشرطة في بلدية "كفرشلان" عام 2016 غير مكترثة للتقاليد وللعوائق التي ستواجهها. تفتخر بوظيفتها التي عادة ما يحتكرها الرجال، وتقوم بمهامها على أكمل وجه بدءاً من جباية المستحقات السنوية للبلدية ووصولاً إلى التبليغ بالإنذارات والتجاوزات، مروراً بقيادة الآليات الخاصة بالشرطة.

كما أنّ الحضور النسائي للضناويات بدأ يتسلل إلى السلك العسكري شيئاً فشيئاً، حيث التحقت عدة فتيات بقوى الأمن الداخلي والجمارك والأمن العام، ليصبحن متمرّدات على الواقع الذي يرى أن العمل العسكري ينتقص من أنوثة المرأة.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard