حرائقُ أنفاسٍ في قصورِ ترفٍ

8 آذار 2019 | 09:45

المصدر: النهار

حزمت حقائبها، ضمّنتها صورة البيت الذي ترعرعت فيه مذ أبصرت النور في كولومبو، وصورة مغنيتها المفضلة "لاناي"، ورسمة ابنتها البكر "سورا" التي رسمتها بالطبشور الأبيض على ورقة نخيل، ترى عليها شمسًا ساطعة في زاوية الورقة، وفي الوسط عائلة سعيدة مؤلفة من زوجٍ وزوجة وابنتين في محطة القطار لوداع الزوجة. هي، هذه الزوجة. لم تكن تدري أن هذه الشمس لن تسطع لها مجددًا، وأنها لن تسمع أحدث أغاني "لاناي"، وأنه ستُفرض عليها ملابسُ غير تلك خاصتها، فور وصولها إلى مكان عملها.

لا، لن تعمل في مقهى تجلب فيه القهوة للزبائن، كما قيل لها في سريلانكا، بل ستُحرق بهذه القهوة في منزل ربّ عملها في الحازمية. حريق جلدها ولّد احتراق روحها، هي التي حُرق قلبها آنفًا في محطّة القطار في كولومبو عندما تركت أطفالها لتعمل خارج البلاد، لتؤمّن لهم اللازم ليقتاتوا ولا"يحترقوا" من نار الفقر والجوع.

عاشت ماري جوي في ذاك القصر الفخم في الحازمية، في قصر الـ"مستر" والـ"مدام" الذي يعجّ بالتحف الباهظة الثمن، يقتنيها أبشع أنواع البشر.

عاشت... غير حيّة. كيف تحيا بين جدران أربعة وهي تنظف البيت، وتطهو، وتسلَب أبسط حقوقها – من التواصل مع أهلها في سريلانكا والحصول على يوم إجازة أسبوعيًا- وتُهان، وتُنعَت بالـ"سوداء القذرة المقزّزة" التي تفحّ منها رائحة مسحوق الغسيل الذي استخدمته لغسل فستان صاحبته التي تقيّأت عليه، وتُضرب بعصا البيسبول لأن الـ"مستر" لاعب متمرّس، و... تُغتصب لأنها الخادمة نهارًا و"المومس" ليلًا، لأنها بالكاد تحصل على المئة دولار شهريًا، هذا "الأجر المحترم".

نعم، ينعتها مغتصبها بالـ"مومس"، لأنها هي من عرضت جسدها وطلبت أن يتحرّش بها، لأنها "بلهاء من بلاد العبيد".

فكّرت مرارًا بالانتحار، راودتها هذه الفكرة باستمرار، لكنها لم تقوَ على هكذا خطوة، ليس لأنها خائفة على نفسها، بل لأن هذا الجُبن لن يفضحَ أصحاب عملها، لأنها ستكون مجرد عاملة أجنبية أخرى انتحرت لأنها "مجنونة أصلًا".

فضّلت الهروب على ذلك، وها هي اليوم مع زميلاتٍ لها في المصير – ظننّ أن الأمل في العمل خارجًا هو المخلّص- في كاريتاس.

بات الآن الأمل في العودة هو الخلاص.

لكنها لن تعود إلى كولومبوإلا بُعيد سنة من اليوم، لأن نظام الكفالة ينصّ على ذلك.

حزمت حقائبها، ولم تُضف إليها أي شيء جديد فُرض عليها هنا، لأنها تأبى أن تحمله معها إلى ملجأ التحرّر من عبوديتها.

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard