ميونيخ

4 آذار 2019 | 10:36

المصدر: النهار

تبدأ بنا الرحلة مع نهاية الخريف، هزيلةٌ تعبر من أمامنا، مصفرّة اللون، وباهتة المظهر،

كي تحط أقدامنا في مركب سنوات الشتاء الطويل.

نحمل معنا صبرنا الذي لا ينفد، وبعض نفحات صيف قد مضى واندثر بين أسوار مدينة عريقة أبوابها من حجر ولكن لا يفارقها المطر.

وكلما ارهقتنا الرتابة في الوقت وتملّكتنا الكآبة في الصمت، نجد الحقول قد ارتدت ثوبها الأبيض ولا تخلعه إلا بعد عدة أشهر، تسقي أذهاننا رحمة وتشغل أفواهنا بالتفكّر، متى تزورنا رائحة الشمس أو شيء من اللون الاصفر؟ ومتى نخرج لنرى ألوان الطيف والعشب الأخضر؟

وتجد المارّة فيها لا يكترثون لحالة الطقس أو لثيابهم المعتمة الثقيلة، وفي مشيتهم الكثير من اللامبالاة، فهم على يقين بأنهم سيقلبون صفحات الرزنامة طويلاً بجانب المدافئ، حيث الحطب والوقود التي أصبحت رفقاء وحشتهم وصقيعهم، فهم لا يسمعون تغريد العصافير ولا يجنون ثمار الزيتون في أوانها، وكل ما في ذهنهم شوق لساعات من الحنين، ونبضات يكتنفها الأنين لصباح مشرق وعليل بات بعيداً غير مجيب، فهي مدينة الليل الهادئ والمخيف.

فالليل فيها أشبه بصيحات قائد غاضب على جنده من التأخر، ولا شيء يرحمهم سوى الصبر والتقبّل، لعلهم ينجون بفعلتهم من العقاب والتمرد، منتظرين بزوغ الشمس بلهفة وتعطّش، فحينها سيجدون الرحلة قد أعادت نفسها مرة أخرى، فيتمنون أن يأتي النوم ليأخذهم النسيان لحظة بدفء عيون حالمة أن تلمح الزهر الأحمر مرة، وأن تكسر الجليد على بابها وتنطلق لأيام مضيئة خارج سنين الشتاء الطويلة في هذه المدينة الباردة، في ميونيخ!

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard