تساؤلات حول عودة النازحين "الطوعية" إلى سوريا

28 شباط 2019 | 14:48

الغائب الاكبر عن الجدال اللبناني حول النازحين السوريين، هم النازحون السوريون انفسهم.

ما رأيهم في ما يقال عنهم، وباسمهم؟

لا أحد يسمع صوتهم ولا أحد يسأل عن رأيهم.

هل هم مجرد رقم يجري تداوله؟ أكثر من مليون أو أقلّ؟

هل هم مجرد صفة تتناقلها الألسن؟ عبء، خطر، تهديد للبنان واللبنانيين.

تناسينا أنهم هاربون من الموت، من القتل، من الخطف، من التهديد، كما هربنا نحن خلال حروبنا الداخلية، أو إبان حروبنا مع اسرائيل، او مع النظام السوري.

تناسينا أنهم بشر فضّلوا أن يعيشوا عندنا كالمتسولين وفي خيم تحت البرد وفي مستنقعات من الوحل، على أن يبقوا في حالة رعب دائم في بلدهم، منتظرين الموت.

لقد استصرحتُ 60 عاملاً سورياً نازحا يعملون في المحافظات اللبنانية وفي العديد من القطاعات.

جميعهم قالوا: لا نريد العودة.

قالوا لا نريد العودة حتى بعدما تحسنت الأحوال في سوريا.

قالوا لا نريد العودة، لكن لم يقولوا لماذا.

أخوفاً من العوز، من قلة الشغل، من الانتقام، أم من الاستبداد المتجدد إلى الأبد في سوريا الأسد؟

لم يقولوا إنهم يريدون البقاء في لبنان. قالوا فقط إنهم لا يريدون العودة إلى سوريا.

بالتأكيد، لا يمكن ان تعكس آراء الستّين عاملاً، آراء المليون نازح. لكن يجب تقصي مدى انتشارها في أوساط النازحين.

في احصاء حديث، 94 في المائة من النازحين ينظرون بإيجابية إلى المجتمعات اللبنانية المضيفة.

وهم، على ما أعتقد، لا تعنيهم الديموغرافيا في لبنان. لا التوازن بين المسيحيين والمسلمين، ولا الأرجحية العددية بين الشيعة والسنّة.

فهمومهم اليومية الكثيرة لا تسمح لهم بالالتفات الى هذه المسائل التي يتفرغ لها الزعماء اللبنانيون، وكشرط أساسي لاستمرار زعامتهم.

لم يقرأوا الدستور اللبناني كما لم يقرأوا يوماً الدستور السوري. فمعرفة الدستور مفيدة في دولة يطبَّق فيها القانون، وهم تعوّدوا أن يعيشوا في بلدٍ تحكمه المخابرات والتعسف والاستنسابية.

هم على الأرجح لا يفهمون حرب الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، أو لا يكترثون لها، على رغم أن هذه الحرب تدور حول كيفية إعادتهم الى بلادهم.

كان الرئيس حافظ الاسد يقول إن "في لبنان وسوريا شعباً واحداً في دولتين"، مطمئناً اللبنانيين أنه لا يريد أن يحكمهم مباشرة، من طريق ضم لبنان، بل بالواسطة، أي من خلال جيشه في لبنان.

حلفاء ابنه يتصرفون اليوم عكس ذلك. فمن خلال موقفهم السلبي من النازحين السوريين، يوحون كأن في لبنان شعبين متخاصمين، اللبنانيين من جهة والسوريين من جهة أخرى. إنهم في الواقع يتبنّون موقف النظام السوري المتخاصم مع الجزء الأكبر من شعبه.

الخوف هو أن يتغير شعار الأسد الاب ليصبح مع الأسد الإبن "في لبنان وسوريا شعبان في دولة واحدة"، وذلك مع استعادة النظام السوري لعافيته وهزال الدولة اللبنانية.

فإذا كان تعريف الوطن يقوم على ثلاثية الشعب والدولة والحدود، فعندما يصبح الشعب شعبين في لبنان، وتلغى الحدود بين بلدين، كما هو حاصل بين لبنان وسوريا، فلا بد للدولة اللبنانية نفسها أن تتغير. التغيير في هذه الظروف لا يمكن أن يكون إلاّ لصالح هيمنة النظام السوري على الدولتين لتصبحا أشبه بدولة واحدة.

من هذا المنظور، ليس من مصلحة النظام السوري عودة النازحين، طالما هو يضبط وجودهم في لبنان من خلال حلفائه، وفي الوقت نفسه لا يتحمل أعباءهم السياسية والمذهبية والمعيشية.

لكن في المقابل، من مصلحة لبنان واللبنانيين، اقتصادياً ومعيشياً وسياسياً، أن يعود النازحون إلى بلادهم. مع العلم أن المعطيات المتداولة حول تأثير النزوح على لبنان مبالغ فيها وتغفل عن قصد إيجابياته على التشغيل والاقتصاد.

واذا رفض النظام السوري إعادتهم، فننتظر من رئيس الجمهورية أن "يضرب يده على الطاولة"، كما فعل في مجلس الوزراء، حتى يكون "لضربته" معنى وطني يتجاوز المناكفات بين الرؤساء على الصلاحيات.

لكن، ربما كان من الأضمن التعويل على دور "حزب الله" في عودة النازحين، اذا وجد مصلحة في ذلك، وهو الأقدر على "إقناع" النظام السوري بتوفير الأمن لهم

يبقى أن تكون عودة النازحين "طوعية"، كما يؤكد جميع المسؤولين. والسؤال الأهم هنا، هو إلى أيّ حدٍّ يمكن اعتبار النازحين السوريين أحراراً في اتخاذ قرارهم بالعودة، في ظل تحكم بعض اللبنانيين وبعض السوريين بتفاصيل حياتهم في المخيمات وخارجها؟!

المهم أن يتعامل اللبنانيون مع النازحين السوريين كبشر، وليس كرقم أو كعبء اقتصادي. وليكفّوا عن الاعتقاد أن النازحين لا يريدون العودة، فقط لأنهم يتلقّون مساعدات في لبنان.

فعلى أهمية الاحتياجات المعيشية في تحديد سلوك البشر، فإن حاجة الانسان للعيش بسلام وبطمأنينة لا تقلّ عنها اهمية.

فهل يشعر النازحون بأنهم عائدون ليعيشوا بسلام، أم هم يعتقدون أنهم عائدون لمواجهة القلق والخوف مجدداً؟

وحده استقصاء آرائهم على يد جهة مستقلة، يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال.

لن تتخيّلوا كيف عايد والدته في عيد الأم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard