تحذير للرجال: "السجن سنة لكلّ مخلّ بوعده بالزواج"... وإليكم الحقيقة

27 شباط 2019 | 17:59

المصدر: "النهار"

اقفال "الحب"، لاغو دي غاردا، إيطاليا ( Unsplash.com/ Photo Alberto Barrera).

قانون أميركي "جديد"، "غريب جدا"، "ظريف ومثير" ايضا. فقا للزعم. في تفاصيله المختصرة جدا، ان ولاية #كارولاينا_الجنوبية تجيز الحكم "بالسجن سنة على كل شخص وعد فتاة بالزواج ولم يلتزم وعده". الخبر يحقق انتشارا واسعا، مع عشرات مئات المشاركات، بينما تفيض التعليقات. "بشرى للصبايا". ولكن ما صحة هذا الزعم؟ هل هناك قانون أميركي يعاقب الرجال الذين تجاوزت اعمارهم 16 عاما، بالسجن اذا اخلّوا بوعدهم بالزواج؟

"النهار" دقّقت وسألت من أجلكم

النتيجة: الزعم ان ثمة "قانونا جديدا" في ولاية كارولاينا الجنوبية الأميركية يعاقب الرجال بالسجن سنة، اذا #اخلوا_بوعدهم_بالزواج، غير صحيح. "كارولاينا الجنوبية لا تزال تسمح برفع دعوى لدى الاخلال بالوعد بالزواج. لكنها من اختصاص القضاء المدني، وليس الجنائي. وبالتالي الحكم بالسجن ليس ممكنا في هذه الحالة"، وفقا لاساتذة قانون ومحامين أميركيين سألتهم "النهار". كذلك، فإن دعوى "الاخلال بالوعد بالزواج" ليست مسألة جديدة، بل ترجع الى "القرن التاسع عشر".

البوست المتناقل على وسائل التواصل الاجتماعي.

الوقائع: البوست عبارة عن جملة واحدة مختصرة. "قانون جديد: السجن سنة لكل شخص وعد فتاة بالزواج ثم أخلف وعده!" وفي بوستات أخرى، تمّ التوسّع أكثر في الخبر. "ظهرت اخيرا في الولايات المتحدة الأميركية العديد من القوانين المثيرة والغريبة، بينها قانون في ولاية ساوث كارولاينا ينص على عقوبة بالسجن قد تصل الى مدة سنة واحدة للرجال فوق الـ16 عاما الذين يخلفون وعودهم بالزواج. وفور انتشار هذا الخبر الطريف والمثير عبر العديد من الصفحات الفايسبوكية العربية، تفاعلت الفتيات العربيات في شكل كبير مع هذا القانون (بينهن تونسيات، وفقا لما اضافت مواقع، او مغربيات وفقا لاخرى)، بحيث طالبن جميعهن بالشروع في تطبيقه في جميع الدول العربية. واوضحن أنهن كن ضحايا شباب تراجعوا عن الزواج بهن بعد سنوات طويلة من تبادل الوعود والعهود".

التدقيق:

-يبيّن البحث على الانترنت ان هذا الخبر قديم، بحيث أمكن ايجاد آثار له ابتداء من عام 2016. وتكثف تناقله في شكله الاخير عام 2017. وبإعادة احيائه كل فترة، ظهر مجددا في ك2 وشباط 2019. ملاحظة اولى: نصّ الخبر هو ذاته، أكان نشر، قبل عامين أم أخيرا، على صفحات وحسابات عربية في مواقع التواصل الاجتماعي، أم في مواقع عربية، ودائما من دون ذكر المصدر الذي يستند اليه في هذا الزعم.

-هنا 11 نقطة توضيحية تجيب على البوست، وتبيّن مقدار صحته:

1-نعم، تسمح حاليا نحو نصف الولايات الأميركية، بينها كارولاينا الجنوبية، برفع دعوى "الإخلال بالوعد بالزواج"، او ما يُعرَف بـBreach of promise to marry.

الولايات التي تحظّر هذا النوع من الدعاوى، تعلن ذلك بوضوح في قوانينها. نجد بينها الاباما، كاليفورنيا، كولورادو، انديانا، ميشيغان، كونيتيكت، فلوريدا، نيو جيرسي، نيويورك، وبنسلفانيا، اوهايو، وست فرجينيا...

2-الامر لا يتعلق بـ"قانون جديد"، كما يزعم الخبر. هذا النوع من الدعاوى، اي الاخلال بالوعد بالزواج، "يعود إلى القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة"، وفقا للمدير التنفيذي للمبادرات الإلكترونية والخاصة في كلية الحقوق بجامعة بوسطن الباحث في تاريخ القانون إيان س. بيلارزيك (Ian C. Pilarczyk). 

تاريخيا، كان معظم المدّعين في دعاوى مماثلة، "من النساء". عمليا، الولايات الاميركية التي تتيح مثل هذه الدعاوى، "تسمح للرجل، كما للمرأة، برفعها".

3-تُعرَف القوانين التي تنظم الوعود بالزواج باسم Heart Balm Laws. دعوى "الإخلال بالوعد بالزواج"، لا سيما في كارولاينا الجنوبية، تدخل ضمن اختصاص القانون المدني/ المواد المتعلقة بـ"الاخلال بالعقد" (breach of contract).

Gift habeshaw/ Unsplash.com

4- "الاخلال بالوعد بالزواج، أو ببساطة الاخلال بالوعد، يحصل عندما يعد شخص بالزواج من شخص آخر، ثم يتراجع عن اتفاقه"، على ما يشرح المحامي كوروش أخباري (Kourosh Akhbari) في مقالة بعنوان: Damages for Breach of Promise to Marry. "في نحو نصف الولايات الأميركية، يعتبر الوعد بالزواج نافذًا قانونيًا، طالما أن الوعد أو الاتفاق يستوفي جميع المتطلبات الأساسية لعقد صالح".

5-الدعاوى القضائية المتعلقة بـ"الاخلال بالوعد بالزواج" تتناول عموما تعويضات عن "اضرار" قد تكون "خسائر مالية، او صحية او نفسية او تتعلق بالسمعة". وهناك ايضا "تعويضات تأديبية" اذا ثبت ان "نية خبيثة" كانت وراء هذا الاخلال بالوعد، وفقا لأخباري. 

6-هل يمكن ان يصدر حكم بالسجن سنة في دعاوى مماثلة؟ يجيب أخباري "النهار": "في الولايات المتحدة، لا حكم بالسجن عند الاخلال بالوعد بالزواج، لأن هذا الاجراء مدني، وليس انتهاكًا جنائيًا. ويتم التعامل مع هذا الاخلال بالوعد باعتباره خرقًا لعقد. في العديد من الولايات الاميركية، مثل كارولاينا الجنوبية، يمكن المحكمة المدنية ان تحمّل الشخص الذي يخالف الوعد بالزواج مسؤولية دفع تعويضات للطرف الآخر عن أي أضرار مباشرة او غير مباشرة ناجمة عن الاخلال بالوعد. الأضرار قد تراوح من التكاليف المباشرة لحفلة الزفاف إلى التكاليف غير المباشرة، مثل الفرص المستقبلية المفقودة".

7-طوال نحو 30 سنة من ممارسته المحاماة في كارولاينا الجنوبية، وتحديدا في القضاء المتخصص بقوانين العائلة والطلاق، لم يسمع المحامي المتمرس غاي فيتيتا (Guy Vitetta) "شيئا من هذا القبيل" (اي السجن سنة لكل رجل يخلّ بوعده بالزواج)، على ما يؤكد لـ"النهار". ويقول: "الجواب هو لا، هذا لا يحصل في كارولاينا الجنوبية، ولا يمكن أن يحصل، حتى لو كان هناك قانون قديم لا يزال موجودًا في الكتب، فإن الحكومة (المحلية) لم ولن تنفذه".

في مقالة له بعنوان: Only the Serious Need Apply: Breach of Promise to Marry In South Carolina، يؤكد ان "الاخلال بالوعد بالزواج" لا يزال سبباً صالحاً (لرفع دعوى) في كارولاينا الجنوبية. وتنطبق المبادئ الأساسية لقانون العقود على الوعد بالزواج. لذا لا تقدّموا وعدا بالزواج بخفّة".

ويعرض قضيتين في هذا الشأن، الاولى "برادلي ضد سومرز" (1984)، والاخرى "كامبل ضد روبنسون" (2012). ويخلص: "الشخص الذي ينسحب من اتفاق الزواج قد تعتبره المحكمة المدنية (وليس محكمة الأسرة) مسؤولاً عن دفع تعويضات للطرف الآخر. ولن تقتصر الأضرار على التكاليف المباشرة لحفلة الزفاف، بل يمكن ان تصل أيضًا إلى التعويض عن خسارة الفرص المستقبلية".

joshua rodriguez/ Unsplash.com

8-محطة ضرورية في صفّ استاذة قانون الطفل والأسرة في معهد الحقوق في جامعة لويولا ماريماونت الدكتورة جان س. كوستيللو (Jan C. Costello). والأمر مسلّم به: "كارولاينا الجنوبية لا تزال تسمح برفع دعوى في حال الاخلال بالوعد بالزواج. لكن هذه المسألة من اختصاص القضاء المدني. وبالتالي الحكم بالسجن ليس ممكنا في هذه الحالة".

وتستفيض الاستاذة في الشرح في حديث لـ"النهار": "حدّدت كارولاينا الجنوبية عمر 16 عامًا كسنّ قانونيّة للموافقة على ممارسة الجنس. ويخالف القانون كل شخص بالغ (18 عامًا أو أكثر) يمارس الجنس مع قاصر (15 عامًا أو أقل). موافقة القاصر لا يشكل دفاعًا. ومع ذلك، إذا كان البالغ والقاصر متزوجين في شكل صحيح، فهذا يشكل دفاعا".

وتشير الى ان "لدى كارولاينا الجنوبية ما يسمى "استثناء روميو وجولييت". وينطبق على ممارسة الجنس بالتراضي بين قاصرين متقاربين في العمر. لا يمكن اتهام شخصين يبلغان 15 عامًا و17 عامًا مارسا الجنس بالتراضي، باغتصاب قاصر. ومع ذلك، فإن ممارسة الجنس مع قاصر أصغر من 14 عاما تعتبر دائما جناية، بغض النظر عن عمر الشريك الأكبر سنا. إذا مارس رجل يبلغ 16 عاما الجنس مع فتاة عمرها أقل من 14 عاما، فتشكل فعلته تلك جناية يعاقب عليها بسنة واحدة كحد أدنى في السجن. اما إذا وعد بأن يتزوجها ثم غيّر رأيه، فهذا لا يشكل ذلك جريمة. غير انه يمكن محاكمته بموجب قانون الاغتصاب القانوني، لممارسته الجنس معها".

Sharon McCutcheon/ Unsplash.com

9-نسألها عن قانون آخر في كارولاينا الجنوبية يتعلق بـ"الإغراء مع وعد بالزواج" (Seduction under promise of marriage). وينص على ان "كل رجل فوق الـ16 عاما، يغوي امرأة غير متزوجة عبر الخداع والوعد بالزواج في الولاية، مذنب بجنحة. وعند إدانته، يجب تغريمه وفقا لتقدير المحكمة، أو الحكم عليه بالسجن لمدة لا تزيد عن سنة واحدة".

لعله القانون المقصود في الخبر المتناقل! تشرح الدكتورة كوستيللو ان "هذا القانون يجعل إغواء امرأة (اي إقناعها بالموافقة على علاقة جنسية) مع وعد بالزواج، جنحة (يعاقب عليها بالغرامة أو السجن لمدة سنة واحدة). ولكن يجب أن يثبت الدفاع أن المرأة لم تكن عفيفة (اي ان لديها خبرة جنسية) أو أن المتهم تزوّج من المرأة".

وتشير الى ان "هذا القانون قديم (أعيد ترميزه عام 1962) ويبدو أنه يهدف إلى حماية الشابات العفيفات من الإغواء مع وعد بالزواج وتركهن من دون حل. ومن المرجح أن تسعى أسرة المرأة الى الحصول على تهم بجنحة ضدّ الغاوي، ويمكن إسقاطها بزواجه من المرأة".

10-ما يجب معرفته ايضاً، وفقا لاستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة ساوث كارولاينا البروفسور ديريك بلاك (Derek Black)، هو أن "هناك الكثير من القوانين التي لا تزال موجودة في الكتب في مختلف الولايات الاميركية (لا سيما كارولاينا الجنوبية)، ويعرف الجميع أنها غير دستورية أو لم تعد قابلة للتنفيذ. ولم يأخذ أحد العناء لحذفها".

11-نظرا الى ان بوستات، وتحديدا في صفحات تونسية في "الفايسبوك"، تكلمت على هذا "القانون الجديد" كأنه في تونس، سألت ايضا "النهار" المحامي التونسي عصام بن أحمد عن حقيقة الامر. وأكد ان لا قانون في تونس يجيز سجن رجل أخلّ بوعده بالزواج من امرأة. "لا قانون اطلاقا في هذا الشأن"، على قوله. "يمكن ان يتراجع رجل ما عن وعده بالزواج، ولا مشكلة في الامر. لا ضغوط او عقوبات قانونية على هذا الصعيد". ويتدارك: "الخطبة بين رجل وامرأة لا تتطلب عقدا رسميا، بخلاف الزواج".

النتيجة: الزعم ان ثمة "قانونا جديدا في كارولاينا الجنوبية" يقضي بسجن الرجال حتى سنة، اذا اخلوا بوعدهم بالزواج، غير صحيح. فمع ان الولاية "لا تزال تسمح برفع دعوى في حال الاخلال بالوعد بالزواج، الا ان هذه القضية من اختصاص القضاء المدني، وليس الجنائي. وبالتالي الحكم بالسجن ليس ممكنا في هذه الحالة". مسألة اخرى. هذا النوع من الدعاوى ليس جديدا اطلاقا، كما يزعم الخبر، ويرجع الى "القرن التاسع عشر".  

hala.homsi@annahar.com.lb

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard