قمّة ترامب - كيم... فيتنام تستحضر جرح التاريخ

27 شباط 2019 | 10:35

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في قمة سنغافورة، حزيران 2018 - "أ ب"

نجحت هانوي في أن تكون محور الحدث مع تمكّنها من استضافة قمّة تاريخيّة هي الثانية من نوعها بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون. على الرغم من أنّ قمّة سنغافورة في حزيران الماضي، أنتجت مكاسب تكتيّة مثل مواصلة كيم الامتناع عن استعراض أو تجربة صواريخه البالستيّة وإعادة جثامين جنود أميركيّين سقطوا خلال الحرب الكوريّة، بقيت نتائجها الاستراتيجيّة شبه غائبة. قد يكون هنالك رهان اليوم على أن تقدّم هانوي ما عجزت سنغافورة عن تقديمه منذ حوالي ثمانية أشهر. لكن بالنسبة إلى بعض المراقبين، ما من أسباب تدعو إلى التفاؤل.

بين ترامب ونيكسون

خلال لقاء مع مجموعة من مراسلي وسائل الإعلام في كوريا الجنوبيّة الأسبوع الماضي، تحدّث ثاي يونغ-هو ديبلوماسيّ سابق منشقّ عن النظام الكوريّ الشماليّ، عن عدم وجود إمكانيّة في أن يتخلّى كيم عن أسلحته النوويّة. لم يأتِ ثاي بجديد على مستوى هذا التوقّع، إذ إنّ كثيرين آخرين يشاطرونه الرأي وقد شرح بعضهم أسباب ذلك ل "النهار". اللافت في كلام ثاي الذي كان ثاني أهمّ شخصيّة في بعثة بلاده الديبلوماسيّة إلى لندن قبل أن تساعده سيول على الانشقاق سنة 2006، هو مقارنته بين "عقيدة ترامب" و "عقيدة نيكسون".

ويقول إنّ الرئيس الأميركي الأسبق فتح قنوات الحوار مع هانوي الأمر الذي أدّى إلى انسحاب جيشه سنة 1973 وسقوط فيتنام الجنوبيّة سنة 1975. وتخوّف ثاي من تكرار سيناريو مشابه اليوم مع إمكانيّة أن يسحب ترامب قوّاته من كوريا الجنوبيّة قبل دفع بيونغ يانغ إلى التخلّي عن سلاحها النوويّ.


مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر والمفاوض الفيتنامي الشمالي لي دوك ثو، خلال مفاوضات إنهاء الحرب، باريس في 13 حزيران 1973 - "أ ب"

لا شكّ في أنّ اسم فيتنام مرتبط بجرح أميركيّ تاريخيّ. وحين تستضيف هانوي قمّة هدفها مساعدة ترامب على تحقيق مصلحة استراتيجيّة لبلاده في شبه الجزيرة الكوريّة، من الطبيعيّ أن تثار التساؤلات حول احتمال تكرار الولايات المتّحدة لما يراه البعض خطأ قاتلاً انتهى باجتياح فيتنام الشماليّة الجزء الجنوبيّ من البلاد. من حيث المبدأ، هنالك أسباب تدعو المراقبين إلى الحذر ممّا يمكن أن يقدّمه ترامب في أيّ لقاء مع كيم.

حتمية تاريخية؟

إنّ قرار إلغاء مناورات عسكريّة مع كوريا الجنوبيّة بعد أسابيع على قمّة سنغافورة يدقّ ناقوس الخطر لدى البعض، باعتبار أنّ ذلك قد يشكّل نموذجاً عن تنازلات محتملة في القمّة الحاليّة أو المستقبليّة. من جهته، نفى ترامب منذ أيّام أن يكون موضوع سحب القوّات الأميركيّة مطروحاً على طاولة البحث في هانوي. لكن مدى شموليّة هذا التطمين قد لا تكمن في المقارنة بين رؤيتين هما وليدتا زمنين مختلفين.

هانوي حاليّاً هي واحدة من أقوى حلفاء واشنطن في منطقة آسيا-الهادئ مع تمتّع العاصمتين بعلاقات تجاريّة ودفاعيّة بارزة. يضاف إلى ذلك أنّها، مثل سنغافورة، اختيرت بعناية لاستضافة القمّة، حيث سيقضي كيم وقتاً بارزاً في دولة اختارت مساراً منفتحاً على الغرب واستطاعت الاستفادة منه سياسيّاً واقتصاديّاً.

يكفي تذكّر أنّ فيتنام استضافت قمّة "أبيك" سنة 2017 والتي شهدت على هامشها لقاء بين ترامب ونظيره الروسيّ فلاديمير بوتين. ويبدو أنّ ذلك يشكّل استراتيجيّة لدى الولايات المتّحدة "لإغراء" الزعيم الكوريّ الشماليّ من أجل اعتماد نهج جديد يستبدل فيه السباق إلى التسلّح النوويّ بسباق نحو النموّ الاقتصاديّ. وكان ذلك ما كتبه ترامب في تغريدة منذ ثلاثة أيّام حين أشار إلى أنّه يمكن كوريا الشماليّة أن تصبح "قوّة اقتصاديّة عظمى" و "بسرعة" لأنّها "تمتلك مقوّمات للنموّ السريع" بشرط التخلّي عن أسلحته النوويّة. لكن بالنظر إلى سلوكه، يبدو أنّ كيم لم ينبهر بهذه "المغريات" أو على الأقلّ لم يبدِ أيّ مؤشّرات إلى ذلك. وهذا ما اعترف به ترامب حين طالب ب "شيء ذي دلالة" كي يرفع العقوبات عن كوريا الشماليّة.

بالرغم من أنّ ترامب لا يزال يبدي ممانعة إزاء رفع العقوبات عن بيونغ يانغ طالما لم تثبت نيّتها التخلّي عن أسلحتها النوويّة، يبقى أنّ تحديد هذه البراهين أمر شائك، وكذلك تصريحات ترامب التي تصعّب المفاوضات على واشنطن نفسها أحياناً. لكنّ كلّ ذلك لا يعني أنّه من الحتميّ أن تدفع فيتنام اليوم بالذكريات الأميركيّة السيّئة إلى الواجهة مجدّداً.

الاختزال صعب

منذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه الانفتاح على عدد من الخصوم أو الأعداء التقليديّين للولايات المتّحدة، أثيرت مخاوف من أسلوب التفاوض لديه. شهد العالم ذلك بعد قمم هامبورغ وهلسينكي وسنغافورة وبروكسل وغيرها. وللتعبير عن هذه المخاوف تمّ اللجوء أحياناً إلى "الفيتنمة" كجزء من التحليلات المحذّرة من انزلاق واشنطن إلى فشل استراتيجيّ خلال هذه المفاوضات وبالتالي لم يكن استخدام ثاي لهذا المفهوم جديداً. فالحوار الذي تجريه واشنطن حاليّاً مع حركة طالبان دفع البعض للحديث عن فيتنام جديدة في أفغانستان ستذهب ضحيّتها هذه المرّة كابول بدلاً من سايغون.

إذاً، يمكن فيتنام أن تكون مضرب مثل لأيّ إخفاق أميركيّ خارجيّ قد يؤثّر على مكانة واشنطن الدوليّة، بغضّ النظر عن مكان التفاوض وموضوعه. يضاف إلى ذلك أنّه لا يمكن اختزال فيتنام بصورة الحرب الهندوصينيّة الثانية وحسب. إنّ نظرة إلى نموّ التبادل التجاريّ المستمرّ بين البلدين منذ رفع واشنطن الحظر التجاريّ عن فيتانم أواسط تسعينات القرن الماضي وحتى 2018 يمكّن المراقبين من معرفة الشوط الكبير الذي قطعته العلاقات الثنائيّة خلال عقود. في الجانب الأمنيّ، ووسط التوتّر بين الصين وفيتنام في بحر الصين الجنوبيّ، أرسلت الولايات المتّحدة السنة الماضية أوّل حاملة طائرات إلى ميناء دانانغ منذ الانسحاب الأميركيّ سنة 1975، في رسالة دعم واضحة إلى هانوي.

اليوم، تبدو احتمالات النجاح أو الإخفاق واردة في فيتنام. لكن على الرغم من جاذبيّة المقارنات في قمم كهذه، يبقى أنّ التاريخ لن يكون البوّابة الوحيدة لفهم نتائجها. تكفي كتابة البعض عن سخرية القدر حين تعرض واشنطن على عدوّتها السابقة هانوي، التوسّط لدى حليفتها السابقة بيجينغ، لحلّ خلافاتهما، من أجل إدراك حجم اختلاف الحاضر عن التاريخ وكلّ ما يختزنه من ذكريات وعبر.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard