ماذا تريدين

26 شباط 2019 | 13:13

المصدر: النهار

علاقة مريحة، لا يملي عليّ التزامات، ولا يصبّ عليّ تعليمات، يجعلني أتصرّف بحرية. ألاّ يحاول أن يقتل الطفلة التي بداخلي، بل يجعلنى أترك العنان لخيالي، فأتحدث بتلقائية، وأتصرف بعفوية. ألاّ يضع حدوداً، بل يقطع المسافات سريعاً كلما أحسَّ أني أقترب من العزلة. أن يتقبّل مني كافة تصرفاتي وجميع أفعالي دون نقد أو تجريح. ألاّ يحاول فلترة طباعي، ولا تفنيد صفاتي، بل يتقبلني كما أنا، ولا يسعى إلى تغييري، إنما يهيّئ نفسه لاستيعابي. ألاّ يعطينى إحساساً بالنفور كلما صدر مني أمرٌ غير مرغوب من جانبه، ولكنه بالتأكيد محبب بالنسبة لي، لذا عليه احترامه. أن يبعث لي إحساساً يجعلني أفضي ما بداخلي دون أن أخاف من عواقب الأمور. أن يرسل لي أماناً يسعفني به في أضعف حالاتي. أن أستمدّ من ملامح وجهه اطمئناناً يجعلني أتناول طعامي كما لو كنت في بيتي دون تزويق أو تجميل. أن تصدر منه أفعال تجعلني لا ألقي بالاً لكلمة تفوّهتُ بها دون قصد، أو جملة انطلقت دون ترتيب، بل يتركني وشأني. كذلك، عندما يأتي دوري بالكلام، فليتحلَّ بالصبر لأنني سأتلعثم كثيراً، وسأتحدث عن أمور لا جدوى لها سوى أنني أتحاشى النظر بها عنه حتى لا ينكشف أمر خجلي وارتباكي.

أريد علاقة لا يرتدي أي منا فيها الأقنعة، ولا نلجأ فيها إلى الأعذار الواهية، إنما نفسح المجال لشخصياتنا الحقيقية لتتعارك، ونتخاصم دون أن نقلق بشأن الخلاف لأن كلينا على يقين من نقطة التلاقي التي سنتقابل عندها، فلتظهر العشوائية والفوضى التي بداخلنا، لنختبر احتمالنا، فلنظهر ما لا نطيقه حتى لا يتفاجأ به أحدنا. علينا أن نتعرّض لمِحن الغياب والفراق دون أن يرفّ لنا رمش لأننا نعي أننا قادران على اجتيازها سوياً. أن تكون مسؤوليتنا على قدر متساوٍ، فلا يشدّ طرف بينما يحاول الآخر أن يرخي. لا أريد لغزاً ولا استفهاماً بل أريد شرحاً وتفسيراً. لا أرغب في طلاسم ولا أموراً مبهمة بقدر ما أرغب في إجابات شافية تريح القلب والعقل. لا أميل إلى الإخفاء بقدر ما أميل إلى المصارحة. كذلك لا أميل إلى التخبط بقدر ما أميل إلى التعقل. لا أريد وروداً وأشعار غزل، بل أريد حضوراً طاغياً في مواقف تنهش من قواي فلا أجد سواه لأستمدّ من عزيمته حتى يعود إليِّ اتزاني مرة أخرى. أريد شخصاً يواجه معي الحياة، لست لأنني ضعيفة ولكن ليفتّت معي مصاعبها ويهشّم متاعبها، علّها تنحني أسرع عندما تراه بجانبي. أستطيع أن أركض وحدي ولكني أيضاً أتوق إلى مساندته ومتلهفة كذلك لحمايته. لا أريد أن أستنفد طاقتي في إثارة إعجابه، يكفيني أن أرى طيفاً من الانبهار يلمع في عينيه، فينعكس على روحي لتتوهج وعلى قلبي فيخفق.

خلاصة القول، أنا أريد شريكاً وليس رقيباً، عندما لا ينشغل بالي بالزينة ولا أهتم بتنسيق ملابسي ويتنحّى عقلي عن فكرة الجلوس بالساعات قبل أن يحين اللقاء، لأنسق كلماتي وأجمّل عباراتي، بل أندفع إليه بجنوني وطيشي وقتما أشاء دون أن ينتباني ذعر من ردة فعله. عندما أستطيع أن أشعر أنني لم أختلف كثيراً في حضرة وجوده، ولم أتبدل حينما يلوّح لي بالمغادرة. عندما أستطيع أن أقول بملء فمي: ها أنا لم ولن أتغيّر من أجل أحد. ويأتيني الردّ قبل أن أنهي كلامي: وها أنا قد قبلت. حينها سأدرك أنني حصلت على كل ما أريد.

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard