"شبكة صلاة البابا" في مواجهة "جريمة ضدّ الإنسانيّة": معاً ضدّ الاتّجار بالبشر

20 شباط 2019 | 15:08

المصدر: "النهار"

معا ضد الاتجار بالبشر (صفحة صلاة البابا في العالم في الفايسبوك).

انّها "جريمة ضد الإنسانية"، يجاهر البابا فرنسيس علانية، يهزّ الضمائر في شريط انتشر في ارجاء العالم، بمختلف اللغات، ليفهمه الجميع. المصارحة البابوية ملحة. "لا يمكننا تجاهل حقيقة أنّ هناك من الرقّ في العالم اليوم كما كان من قبل، او ربما أكثر". وللدعوة الى تحمّل المسؤوليات تجاه ظاهرة الاتجار بالبشر، تتمة: طلب بابوي "للصلاة من أجل ترحيب كريم بضحايا الاتجار بالبشر والدعارة القسرية والعنف". "شبكة صلاة البابا في العالم" تصلي من اجل هذه النية البابوية طوال شهر شباط 2019.

فيديو البابا فرنسيس يطلق، ككل شهر، وجهة الصلاة، يشعلها. بعد نية أولى في كانون الثاني 2019 "للصلاة من اجل الشبيبة، خصوصا في اميركا اللاتينية، كي يتبعوا مُثل مريم ويلبوا نداء الرب لايصال فرح الانجيل الى العالم"، اختار لشهر شباط 2019 نية الصلاة من اجل ضحايا الاتجار بالبشر.

الموقف البابوي حازم. "رغم اننا نحاول تجاهل العبودية، الا انها ليست شيئا من الازمنة الاخرى. امام هذا الواقع المأسوي، لا يمكن أحدا غسل يديه، من دون ان يكون، بطريقة ما، شريكا في هذه الجريمة ضد الانسانية"، على ما يقول البابا فرنسيس في شريط خاص أطل فيه، ونشرته الشبكة في 7 شباط 2019. والسمة #معا_ضد_الاتجار_بالبشر.

استعباد عصري

البابا فرنسيس يكافح، على طريقته، الاتجار بالبشر، هذه الظاهرة العالمية التي "يتأثر بها كل بلد في العالم"، وفقا للامم المتحدة. مواقف متلاحقة له منذ تنصيبه حبرا اعظم في 19 آذار 2013. مبادرات عدة اتخذها او شجعها، في مواجهة "هذه الجريمة الخطيرة". ودعوات اطلقها، كلما استوجب الامر ذلك، لتعزيز مكافحة "هذه الآفة في شكل حاسم"، و"مساعدة القاصرين المستعبدين وضحايا الاعتداءات على التحرر من هذا الظلم".

ظلم كبير يستشعره البابا فرنسيس، ويلحّ على ازعاج العالم، على شحذ الهمم. فهذه الجريمة ضد الانسانية "مربحة، اذ تدرّ نحو 150,2 مليار دولار من الارباح غير المشروعة سنويا"، وفقا للتقرير العالمي عن الاتجار بالاشخاص (2015). وفي تقديرات منظمة العمل الدولية، يصل "عدد ضحايا العمل القسري في العالم الى 21 مليونا، بمن فيهم ضحايا الاستغلال الجنسي. وفي حين أن من غير المعلوم عدد الضحايا الذين اُتّجر بهم. فإن التقديرات تشير إلى حقيقة أن هناك ملايين البشر في رِبقة هذه الممارسات المشينة في العالم" (الامم المتحدة).

الخبر وصل من كندا. في 12 شباط 2019، أعلنت شرطة انتاريو انها حرّرت 43 مكسيكياً كانوا ضحايا ما وصفته بأنه "عبودية معاصرة"، إذ كانوا يعملون في شكل شبه مجاني في الفنادق، على ما ذكرت وكالة "فرانس برس". وافادت ان "هؤلاء العمال، وغالبيتهم رجال، اتوا إلى كندا عن طريق مهربين تقاضوا منهم مبالغ طائلة في مقابل وعود بإدخالهم كندا للدراسة أو الحصول على تأشيرات عمل وإقامة دائمة. لكن بمجرد وصولهم، أُسكِنوا في أماكن مزرية في المناطق الواقعة وسط أنتاريو وشرقها، وأجبروا على العمل كعمال تنظيفات في فنادق المنطقة، على ما أوضحت الشرطة خلال مؤتمر صحافي".

وكان على العمال دفع تكاليف السكن والمأكل وأجرة الذهاب إلى أماكن عملهم. وكانت أجورهم خاضعة لسيطرة أرباب عملهم الذين كانوا يدفعون لهم أحياناً أقل من 33 دولاراً أميركياً في الشهر. وقال المسؤول في الشرطة ريك بارنوم: "الاتجار بالبشر شكل من أشكال العبودية الحديثة".

صدمة كبيرة في كندا، وواقعة جديدة تؤكّد انتشار "الاستعباد" في مختلف المجتمعات، لا سيما العصرية منها. في التعريف العالمي، الاتجار بالبشر "جريمة خطيرة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان"، على ما تحذّر الامم المتحدة، منبهة الى ان هذا الانتهاك الخطير "يمس آلاف الرجال والنساء والأطفال ممن يقعون فريسة في أيدي المتاجرين، أكانوا في بلدانهم أم خارجها"، "ويتم استغلالهم لأغراض عدة، بما فيها العمل القسري والبغاء".

وفقا لتقرير اصدره مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في 7 ك2 2019 عن الاتجار بالبشر (2018)، "تستخدم الجماعات المسلحة الاتجار بالبشر كإستراتيجية لتمويل أنشطتها أو زيادة أعدادها في النزاعات حول العالم". ويقول: "تم توثيق تجنيد الأطفال لأغراض عسكرية على نطاق واسع في النزاعات، بما في ذلك في وسط أفريقيا والشرق الأوسط. كذلك، تعمد هذه الجماعات الى الاتجار بالبالغين والأطفال من أجل التعدين أو الصناعات الاستخراجية الأخرى، فضلاً عن نشر الخوف والسيطرة على السكان المحليين".

هذا الواقع المأسوي عرضه الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس في تقرير وجهه الى مجلس الامن الدولي (21 ت2 2018). "لا يزال الاتجار بالبشر يعتبر في شكل متزايد سمة من سمات النزاعات المسلحة. فدوامات العنف التي تسود في النزاعات، غالبا ما تهيىء بيئة مؤاتية لتفشي سوء المعاملة والاستغلال والجريمة، مما يوفر ظروفا مناسبة قد يستشري في ظلها الاتجار بالاشخاص. وفي الوقت نفسه، يجوز اعتبار حالات الزواج القسري والاسترقاق الجنسي والاكراه على البغاء، والتي طالما كانت سمة من السمات للعديد من حالات النزاع، شكلا من اشكال الاتجار بالاشخاص".

استغلال جنسي وعمل قسري

ماذا تقول الارقام؟ "70 في المئة من ضحايا الاتجار بالبشر هم من النساء. نصفهن بالغات، بينما تشكل البنات خُمس مجموع الضحايا، وحصتهن منه الى تزايد"، وفقا لتقرير الـUNOCD لعام 2018. ويبقى الاستغلال الجنسي "الوظيفة الرئيسية للاتجار، مع نسبة تصل الى 59%، بينما يمثل العمل القسري نحو 34% من جميع الحالات المكتشفة".

على المستوى العالمي، "تكشف الدول مزيدا من ضحايا هذا الاتجار، وتقاضي مزيدا من المتاجرين. وقد وصل عدد الضحايا المبلغ عنهم إلى أكثر من 24 الفا عام 2016. وكانت الزيادة في عدد الضحايا المكتشفين أكثر وضوحاً في الأميركيتين وأجزاء من آسيا".

ووفقا للتقرير ايضا، فإن "نسبة الضحايا الوطنيين، أي الأشخاص المتاجر بهم داخل بلدهم، زادت أكثر من الضعف، بحيث قفزت من 27 في المئة عام 2010 إلى 58 في المئة عام 2016. كذلك، فان معظم ضحايا الاتجار الذين يتم رصدهم في منطقة أجنبية هم من شرق آسيا أو أفريقيا جنوب الصحراء. وقد يكون ذلك مرتبطا بالدرجة العالية من الإفلات من العقاب في هذه المناطق، وهي في الغالب مناطق منشأ لضحايا الاتجار".

خطة عمل عالمية

منذ اعوام، تراقب الامم المتحدة ودول كبيرة اخرى تنامي هذه الظاهرة العالمية واخطارها، علما انه "يتأثر بها كل بلد في العالم، اكان البلد المنشأ ام نقطة العبور ام مقصد الضحايا". عام 2010، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة عمل عالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص. عام 2013، عقدت اجتماعا رفيع المستوى لتقييم الخطة. واعتمدت الدول الأعضاء القرار الرقم A/RES/68/192 الذي اعلنت فيه يوم 30 تموز من كل سنة يوما عالميا لمناهضة الاتجار بالأشخاص.

في أيلول 2015، اعتمد العالم جدول أعمال التنمية المستدامة 2030، بما فيها أهداف وغايات بشأن الاتجار بالأشخاص. وفي 19 ايلول 2016، انعقدت قمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين، واصدرت إعلان نيويورك بهذا الشأن.

البابا فرنسيس خلال المقابلة العامة في 20 شباط 2019 في الفاتيكان (أ ف ب).

على الطاولة الدولية، تقارير سنوية ترصد، تقوّم، تلاحق الوضع، تعكس قلقا جديا تجاه هذه الجريمة. "رغم أننا بعيدون عن إنهاء الإفلات من العقاب، فإن الجهود الدولية والوطنية الرامية إلى تنفيذ بروتوكول الاتجار بالأشخاص على نحو فعال أحدثت فرقاً. في الاعوام العشرة الاخيرة، انخفضت نسبة الدول التي لم تسجل لديها اية إدانات من 15% إلى 9%. وسجلت بعض البلدان إدانتها الأولى بين 2014 و2016"، على قول مدير الـUNOCD يوري فيدوتوف.

وضع مقلق يستوجب، بتعبيره، "تعزيز المساعدة التقنية للدول والتعاون". ولدى البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، وشبكته الخاصة بالصلاة، ما يقولانه بهذا الشأن. "هناك قضايا تلزم، اخلاقيا، اتخاذ موقف منها، مثل الاتجار بالبشر. لا يمكنك أن تكون محايداً. إذا لم تتخذ موقف ضدّه، إذا كنتَ لا تفعل شيئاً لمحاربته، فأنت تساهم في استمرار وجود هذا الظلم الهائل. افتح عينيك على الواقع. افتح قلبك للضحايا، بخاصة المهاجرين الذين يواجهون حالات العبودية"، على ما يقول الفريق العربي لـ"شبكة صلاة البابا في العالم".

الدعوة مفتوحة، ورسالة البابا فرنسيس حول الاتجار بالبشر أوصله فريق شبكته بالعربية الى مختلف ارجاء المنطقة، لا سيما لبنان وسوريا والاردن وقطر ومصر. في لبنان، يتولى الفريق "تفعيل الصلاة من اجل النية الشهرية للبابا، بالتعاون مع جماعات مسيحية"، على قول عضو الشبكة الدكتور هادي جلخ لـ"النهار".

12,484 يتبعون حاليا صفحة الشبكة بالعربية في "الفايسبوك". ويتألف الفريق العربي من 9 اعضاء: المسؤول عن الشبكة في المنطقة العربية الاب زكي صادر اليسوعي، المسؤول عن المكتب الاعلامي للرهبانية اليسوعية في لبنان الاب جاد شبلي اليسوعي، الطبيب الدكتور هادي جلخ، المسؤولة عن مكتبة "داغر"-بكفيا كارلا داغر، الاختصاصي بالتسويق والاعلان ربيع كنعان، والمربية والمحرِّرة الصحافية ستيفاني جبر، الاخت ليزا قارح، جان دارك حبيقة، وسناء جحا.

Hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard