الخير والشرّ

18 شباط 2019 | 13:03

المصدر: النهار

تعقيباً على مقالة لسيادة المتروبوليت أنطونيوس (الصوري) بتاريخ 6 شباط 2019 في جريدة النهار اللبنانية تحت عنوان "الخير والشرّ"، وددنا الإطلالة على جوانب أخرى لهذا العنوان الشيّق دفعاً نحو مزيد من الإضاءة على هكذا مباحث أخذت حيّزاً كبيراً في المناقشات الفلسفية والكلامية والأخلاقية والدينية، وتحتاج اليوم إلى تقديمها بلغة جديدة وعصرية مؤثّرة تخاطب جيل اليوم المنشدّ إلى الكثير من الإغراءات، والواقع تحت الكثير من الضغوط التي تستهدف هويته وأصالته وكرامته ووجوده.

بدايةً، إن الخير، لغةً، هو الحسن لذاته، ولما يحقّقه من لذّة أو نفع أو سعادة. وهو ضدّ الشرّ. وتأتي كلمة الخير في المعاجم اللّغويّة على معان كثيرة، أما كلمة الخيـر في مجال الفلسفة فتطلق على اللّذة والسعادة، وأحياناً أخـرى على ما هو حسن ونافع.

بالنسبة للشرّ المقابل للخير والنقيض له، فهو مفهوم نسبي يختلف من عصر إلى عصر ومن مجتمع إلى آخر. ويعرّف معجم لالاند الشرّ (بالمعنى العام: الشرّ هو كل ما هو موضوع للاستهجان أو اللوم، وكل ما هو بحيث يكون للإرادة الحق في معارضته شرعياً، وتغييره كلما كان ذلك ممكناً). ومعجم بولدون يقول (إن الشرّ هو ما يضاد الخير أو حسن الحال، وتصنيف الشرّور يتبع تصنيف الخيرات إلى ما هو عقلي أو نفسي وما هو جسماني، وما هو خارجي أو على نحو أكثر تأصيلاً في أنه: ما هو طبيعي وما هو أخلاقي...) ويقول لافيل (نحن لا نستطيع أن نحدّد الشرّ تحديداً إيجابياً، فلا يكفي أن نقول إن الشرّ يندرج تحت حقيقة مزدوجة طرفها الأخير هو الخير، بل يجب القول بأننا من المستحيل أن نذكر الشرّ دون أن نثير في الأذهان فكرة الخير، على اعتبار أن الشرّ بمثابة سلب له، أو نفي أو حرمان، وليس معنى هذا إنكار وجود الشرّ أو القول إنه عدم بل إعطاؤه فقط معنًى نسبياً).

أما سقراط، فقد رأى أن الشرّ ينشأ عن الجهل، ولا أحد يرتكب الخطيئة أو الشرّ وهو عالم بأنه شرّ، فالفضيلة علم والرذيلة جهل.

أما أفلاطون فيعتقد أن الشرّ يكوّن قسماً من الوجود الواقعي، هو المتعدد والمحسوس، والظاهري. فالشرّ إذن موجود.

ويعتبر سبينوزا أن الشرّ شأنه شأن الخير، ليست له أية حقيقة ذاتية، أنه فقط تصوّر عقلي في ذهن الإنسان وحده، لكنه غير موجود في الواقع.

أما نيتشه، فقد اعتبر أن القيم والمثل الدينية والميتافيزيقية بل حتى القيم والمثل الحداثية هي الشرّ بعينه، ذلك لأن تلك القيم تتجاهل الواقع والحياة والمُعيش من أجل قيم ومثل وهمية، وفي نقده لهذه القيم يقول "إننا في حاجة إلى نقد للقيم الأخلاقية، يجب أن نصل إلى وضع قيمة هذه القيم موضع تساؤل، وهنا تنقصنا معرفة شروط وظروف ظهورها وتطورها". ويقول في موضع آخر "لا ينبغي أبداً أن يؤخذ الحكم الأخلاقي بحرفيته، لكن باعتباره علم أعراض فإنه يظلّ ذا ثمن لا يقدّر... ليست الأخلاق سوى لغة رمزية، سوى مبحث أعراض".

في بعض التَّفسيرات لما ورد في الكتاب المقدَّس (التوارة والإنجيل)، فإنَّ الشرّ ليس شيئاً ملموساً أو شاخصاً يتطلّب أن يخلقه الله، ولكنَّه سمح به، فالشرّ هو عدم وجود الخير، أو أنَّ الشرّ هو عدم وجود الله، والله لم يحتج أن يخلق الشرّ، ولكن سمح بعدم وجود الخير في المقابل.

ففي المسيحية واليهودية والتي تعترف بالخطيئة الأصلية، هناك نزعة للشرّ موجودة في الإنسان أطلق عليها القديس بولس "الصراع بين قانون الجسد وقانون الروح".

أما البوذية فتذهب إلى أن الوجود البشري ذو طبيعة شريرة بسبب وجود الرغبات الكامنة فيه.

من جهته، أشار المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله إلى أن "الله سبحانه وتعالى خلق الكون بكل سننه وقوانينه ونظمه، وهو على هذا النحو خير للإنسان، إلا أن طبيعة المادة المحدودة تفترض وجود سلبيات، لأنه ليس هناك خير بنسبة مائة بالمائة، بل ينضم إلى ذلك سلبيات سمّاها الإنسان الشرّ لأنها مضرة له من زاوية معينة، ولكن هذا المسمّى شرّاً قد يكون خيراً من جهة أخرى، ولذلك يقول علماء العقيدة إن الشرّ لا وجود له بنحو مطلق، بل وجوده نسبي أي أنه يعتبر شرّاً إذا نُظر إليه من زاوية معينة، في الوقت الذي قد يكون خيراً من زاوية أخرى.

والله تعالى أحسن كل شيء خلقه، والشرّ يأتي من أفعال الإنسان في فعل ما يعارض الخير من أذيّة وظلم وتخريب ودمار وقتل... والله تعالى جعل الحياة دار ابتلاء وامتحان، وكلّف الإنسان باتّباع الخير وترك الشرّ وسلوك سبيل الهدى، واجتناب سبيل الضلال، ويريد لعباده الإيمان والشكر ولا يرضى لهم الكفر، فالله تعالى قدرته مطلقة، ولكنّ صدور الشرّ والكفر والمعاصي من العباد أمر ضمن اختيارهم، ويجازيهم الله تعالى على ما يختارون يوم الحساب".

وبمعزل عن هذا العرض، وبمعزل عن أن الخير محبوب لذاته والشرّ مكروه لذاته، وربطاً بواقعنا، وانطلاقاً من فكرة الخير والشرّ، فإن العناية اليوم بأطفالنا وأجيالنا من أهم الركائز للنهوض والتغيير، فالطفل يولد مستعداً لقبول الخير والشرّ معاً، فإن البيئة تلعب دوراً أساسياً في إبراز شخصيته لاحقاً ونشأته، إما الخيّرة وإما الشرّيرة، من هنا ضرورة تقوية ملكات الخير وحب الإحسان والمعرفة النافعة والتعاون، والتحاور مع الآخر، والتواضع والرحمة، ورفض العصبيات والرذيلة، والتخلّق بالسجايا الفاضلة، وتمرين الذات على الشفافية والصفاء بعيداً عن السذاجة، واقتلاع حب الأنا والعصبية والغلّ تلافياً للأضرار الفردية والاجتماعية.

فإذا ما كنَّا الأخلاقيين والمؤمنين، لا بد أن نعمل على تقوية العلاقة بين الضمير والدين والأخلاق، فالعلاقة بين محكمة الدين ومحكمة الضمير قوية وثابته، والمسؤولية الدينية تتحول حتماً إلى مسؤولية أخلاقية طبيعية في النفس، لأن الإيمان والضمير كلاهما من الحقائق الكامنة في ذات الإنسان وأعماقه لا في خارجه.

جاء في قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (89 ـ الشعراء).. (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (13 ـ الكهف).. (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) (10 ـ البقرة).

وقال الرسول محمد(ص): (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه).

وقال الإمام علي (ع): (من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر وواعظ)). والمراد بالواعظ هنا وهناك الضمير الأخلاقي الذي يضبط النفس عن الهوى.

لا ينبغي أن نضلّ من أولئك الذين حبسوا الأخلاق والدين كلٌ في عالمه الخاص المنعزل عن الآخر، وتمسكوا بالرسوم والقشور دون النفاذ إلى العمق، ورضوا بأن يكونوا من الغافلين عن حقيقة الأنفس، وعاندوا الحق والحقيقة، ولم يعكفوا على تغيير دواخلهم كي ينطلقوا إلى الخارج بقوة وبصيرة.

إن فعل الخير هو مقاومة مستمرة لنوازع الشرّ، فنحن من نسمح للشرّ أن يخلق وينتشر، فإذا كنا ممن يحب الحياة والمجتمع علينا أن نكون مقاومين مناضلين ساعين لكل حق وعدل وصحوة ضمير.

والمهم أن يتعرّف الإنسان على الفرق بين حاله كفرد مقلّد أعمى، متعصب، جاهل، نازع نحو خلق الشرّ ونشره إلى فرد خيِّر مساهم في وضع المعادلات السليمة التي لا تغيب عن ممارساته وقناعاته، فبقدر ما يكون صاحي الضمير وحرّاً ومسوؤلاً، بقدر ما يعيش الإيمان فعلاً، ينهض بالخير فيه إلى أقصى مراحله.

فعلاً، إن قوة الضمير والعقل الحركي المنفتح، إضافة إلى الفطرة السوية، كلها إذا ما اجتمعت في إنسان، فإنها ترتفع به من الداخل إلى الخارج بقوة مختلفة حيث تعدّل قواه الباطنية والنفسية والفطرية والفكرية بشكل متوازن يعين بعضها البعض، ومن ثم تتمظهر هذه التعديلات والتوازنات مزيداً من تصويب الواقع كله وتجعل منه "إنسان الله".

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard