دفاعًا عن تنظيم سياسي مدني معارض بديل من التحالفات والائتلافات

18 شباط 2019 | 12:49

المصدر: النهار

تصوير مروان عساف

إنّ أبرزَ الانتقادات التي تُوجَّه إلى الحراك المدني منذ انبعاثه عام 2015، هو افتقاره إلى الوحدة والتماسك، والتنظيم والثبات والاستمرارية، وبالتالي الفاعلية، ويشترك في صياغة هذه الانتقادات النخب التغييرية الاعتراضية، كما عموم الأنصار سواءً بسواء.

تكتسب هذه الانتقادات وجاهتها وصوابيتها من حقيقة إخفاق الحراك في التأثير على الأحداث والسياسات العامّة، وتحقيق إنجازات عينية ولو جزئية، تعكس الجهود المبذولة من قبل العديد من المجموعات لمناهضة سياسات بعينها، وقرارات بعينها، أو لمكافحة الفساد أو أو...

إنّ هذا الإخفاق لا ينسجم، لا مع الجهود المبذولة، ولا مع حجم الغضب الشعبي الذي عُبّر عنه في السنوات الأخيرة، إمّا بمساندة شريحة واسعة من اللبنانيين للأنشطة الحراكية، ونزولهم الحماسي إلى الشارع، أو باقتراع عشرات الألوف منهم لصالح لوائح الحراك المدني، أو حتى بامتناع أكثر من نصف الناخبين اللبنانيين عن التصويت إبان انتخابات 2018.

هذا الإخفاق يعود، بنظرنا، إلى الإشكاليات التي تطرحها بنية المجموعات السياسية المدنية، الناطقة باسمها الشخصي، وباسم الشعب اللبناني الغاضب، والطامح إلى التغيير، والتي حالت، رغم الظروف المؤاتية، دون تشكُّلها ككيان سياسي اعتراضي مرموق، ووازن، وفاعل، وقادر على استقطاب اللبنانيين الغاضبين، وتفعيل غضبهم، واستثماره في تعديل موازين القوى.

مقابل ذلك، يدور اليوم في فضاء المجموعات والشخصيات المدنية التغييريّة النقاش حول ضرورة قيام ائتلاف سياسي معارض يجمع هذه المجموعات، ويُوحّد برامجها، ومبادراتها، ونشاطاتها المطلبية التغييرية، على قاعدة ثنائية المشتركات والخصوصيات.

نحن نقترح العمل على إنشاء كيان سياسي منصهر، حزب أو تيار، يصهر المجموعات التي تملك رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية وبرنامجية موحّدة، لأنّ أهداف هذه المجموعات، والتحدّيات التي تُواجهها تستدعي بناء تنظيم سياسي مركزي، متماسك، مهيكل، تحكمه منظومة واضحة من المفاهيم والبرامج، والأهداف، ويخطّط مرحليًّا واستراتيجيًّا من أجل تحقيق أهدافه، وقادر فوق ذلك على استقطاب اللبنانيين الراغبين في العمل السياسي التغييري.

إنّ التنظيم السياسي هو عبارة عن مجموعة من الناس ذوي الاتجاه الواحد والنظرة المماثلة والمبادئ المشتركة والهدف المتّفق عليه، يسعون بوعي وعن عمق وإصرار الى تحقيق الأهداف التي يؤمنون بها، وأن يسودوا بنظرتهم ومبادئهم، وهم قادرون فعلاً على أن يعملوا وينشطوا نشاطًا يوميًّا ودؤوبًا في سبيل ذلك، وهم يرتبطون ببعضهم البعض وفقًا لقاعدة أو قواعد تنظيمية مقبولة من جانبهم تحدّ علاقاتهم وأسلوبهم ووسائلهم في العمل والنشاط.

لقد توصّلت الشعوب إلى ضرورة إنشاء تنظيمات سياسية مهيكلة ومتماسكة بعد خوضها غمار الانتفاضات والعصيانات المرتجلة والفوضوية.

وهو يتخطّى بذلك نهج عمل المجموعات الحالية، القائم على المبادرات المعزولة المتناثرة التي تُحاكي مبادرات جماعات الضغط (Groupe de pression)، أو الجمعيات، التي تتخصّص بقضية أو مسألة واحدة، وترمي إلى الضغط لمعالجتها، وتعمل تحت حرارة اللحظة دون امتلاكها مشروعاً أو طموحاً تغييرياً على عكس مجموعات الحراك الآنفة الذكر، ونحن نُلخّص دوافعنا للدعوة إلى تأسيس تنظيم سياسي شعبي متماسك، مهيكل على الصورة التالية:

أولاً: إنّ الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها التغييريّون كما التحديات التي تُواجههم والتي تتمثّل بنظام تحاصصي متعنّت أدّى إلى فشل الدولة واغتيال الدستور وانتهاك القوانين، وتسخير القضاء، وضياع الحقوق، تحتاج إلى تجميع الأفكار والمعارف والطاقات، وتنظيمها وتوحيدها، وإلى تشكيل مرجعية سياسية معارضة وازنة ممنهجة، متماسكة، قادرة على التخطيط الاستراتيجي من أجل تحقيق الأهداف، وعلى مقارعة السلطة، بكل الوسائل المتاحة، ومؤهّلة خصوصًا لانتزاع ثقة الناس التي تحتاج إلى بديل جدّي.

ثانيًا: إنّ هذه المجموعات لا تتبنّى قضايا يستحيل على التيارات والأحزاب السياسية الجماهيرية تبنّيها، فضلاً عن اكتساب هذه القضايا مصداقية واسعة حين تتبنّاها قوى سياسية ذات قاعدة شعبية تجعلها أشدّ تأثيرًا على الأحداث.

ثالثًا: من المفترض أن تقوم إجراءات الائتلاف المرتقب على توحيد الرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتربوية للجماعات المؤتلفة، وتوحيد البرامج الإصلاحية المجسّدة لهذه الرؤية، والتوافق على الاستراتيجيات النضالية الآيلة الى تحقيقها، وحين يقوم الائتلاف المذكور على هذا الافتراض المنطقي الذي يمنح الائتلاف معناه، يفقد وجود كيانات سياسية مكتفية بذاتها وجاهتَه.

رابعًا: إنّ افتراض استمرار المجموعات بمخطّطاتها ونشاطاتها المستقلّة التي لن يلغيها نظرياً الائتلاف، إنّما يعني ازدواجية غير مبرّرة في الحضور العام، وهذه الازدواجية لا تخدم لا المجموعة ولا وظيفة الائتلاف التوحيدية، وقد يتعارض الخاص مع المشترك، خاص المجموعات مع مشترك الائتلاف.

خامسًا: إنّ الشخصيات المستقلّة المتواجدة في هذا الملتقى والراغبة في النشاط السياسي التغييري لا تنتمي إلى أي من المجموعات، ومثلها مثل المئات أو الآلاف من الأفراد الراغبين في العمل السياسي التغييري، لا تجد موطنًا لها في المجموعات السياسية الموجودة على الساحة، ويعود ذلك إلى نخبوية هذه المجموعات وانغلاقها على ذاتها، وهي لكثرتها وتكاثرها وتعدُّد القضايا التي تتبنّاها وهوائية ظهورها وتعدُّد استراتيجياتها، لا توحي للبنانيين واللبنانيات بالتماسك والتنظيم والثبات، وتاليًا بالقوة والجدية، الضروريّتين لاجتذاب الناس.

سادسًا: إنّ ما يُضاعف حيرة المراقب هو امتلاك هذه المجموعات خطابًا تغيريًّا متجانسًا، وإنّ اختلفت، فهي تختلف على ترتيب الأولويات وعلى طبيعة الاستراتيجيات النضالية ونجاعتها، لا على جوهر الأهداف، بينما ما يُبرّر توزُّع الأفعال السياسية على كيانات مختلفة هو الاختلاف في الخيارات السياسية والبرنامجية والإصلاحية.

فهل ينجح الائتلاف المرتقب في التغلُّب على هذه الإشكاليات وغيرها ممّا قد يستجد؟

خلاصة القول، إنّ الكيفية التي تعمل من خلالها المجموعات السياسية المدنية الراهنة أثبتت، وعلى مدار ثلاث سنوات، عدمَ قدرتها على التأثير على الحدث، وإحداث التغيير في السياسات المتّبَعة، وإن تمكّنت من إشاعة خطاب جديد، يوحي بمناهج سياسية مختلفة، وبسياسات ممكنة مختلفة، الأمر الذي زرع الأمل في نفوس عشرات الألوف من اللبنانيين الذين عبّروا عن تأييدهم، سواء بالتظاهر أو الانتخاب، ولكنّ هذا الرصيد آيل إلى الانحسار إن لم نُحسن جميعًا الاستثمار فيه وتوسيعه، واستقطاب الجمهور اللبناني الغاضب الباحث عن بديل، انطلاقًا من رؤية تنظيمية مختلفة.

قد يجد القارئ مسوغات أخرى فاتتني، وقد تدور في ذهنه رؤية أخرى للتنظيم والعمل، المهم أن نجد أجوبة عملانية عن التساؤلات التي تشغل المعنيين بالتغيير.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard