نظرية حبّ

13 شباط 2019 | 20:39

المصدر: "النهار"

انتشلتني عيناه من زحام الناس وصخب الموسيقى والرقص، وفضول الاستماع إلى أخبار غرباء لم أعرفهم سوى من ساعتين فقط . رجل وسيم الملامح، ذو بشرة نحاسية، يملك عينين قادحتين جذّابتين خلقتا جداراً حولي، وبدأتا تحركاني بخيوط رفيعة، لم أتوقع أن أستسلم لهما بهذه الطمأنينة. لم أدرِ كيف وجدت نفسي أمامه، أخبره؛ سمع اعترافي وهو يدرس ضحكاته باندهاش، بينما عشقٌ تسلل من مسامات جلدي إليه وفضح ما في داخلي. لم يتردّد صوتي في المطالبة برقم هاتفه، ويدي سبقتني والتقطت لنا "سلفي". لاطفني برصانة خوفاً من أن يندفع قليلاً. استودعته بعناق أقحمت فيه رأسي على صدره لأسترقّ دقات قلبه. سحب يداي وقبّل جبيني، ومضى. أفتح عينيّ في اليوم التالي وأنظر في سقف الغرفة وحولي أشيائي المبعثرة. أسحب هاتفي وأردّد "إنه حقيقة ليس حلماً". أتأمّل الـ"سلفي" فيطمئن قلبي. أرسلت له الصورة، فهاتفني. رقصت فرحاً حينها...

رجل يجعلني أرتدي ابتسامتي كلما أراه، يحثّني أن أبدع في انتقاء ثيابي، لا بل أصبحت أغرم بفساتيني وحلييّ. أجد نفسي جميلة جداً في مرآة عيونه. أحاول أن أخفض ضجيجي النفسي وأضعه صامتاً، وأحرص أن لا تزعجه "أناي" التي ببساطة أتخلّى عنها كلياً معه. فضاء من السكون والسكينة أسبح فيه عند وجودي بقربه. لقد سكنتُ إليه وفيه كلاجئة. عندما أغمض عينيّ أجد أني ألصقت صورته تحت جفني. ابتسامته ساحرة تبدأ من عيونه وتنتهي عند حركة يديه. صوته مهيب ذو موجات رخيمة. مرح للغاية، وجدّي للغاية، لا يعرف الكذب، يعيش داخله طفل كبير. يحمل في ضلوعه حزناً مزمناً ووحدةً لا يسمح لأحد باختراقها. يحب البساطة ومتعلّق بعاداته، لا يهوى أحاديث المارة ولا السياسة، يعشق الموسيقى، ويعيش في عالمه الخاص. قليل الكلام ولكنه يعبّر بطريقته. إني ممنونة لكل نسائه قبلي اللواتي سمحن له بالرحيل، وكنّ تجربة ناضجة فريدة قدّمت إلي.

لم نمرّ بتجاذبات العلاقات المراهقة. لم نتمنّع يوماً. لم أفكر يوماً قبل أن أتصرف. كان هو هو، وأنا أنا. على سجيتها الأمور تدحرجت ككرة ثلج، فوجدنا وجهَينا يقابلان بعضهما بفرق سنتمتر واحد... لم أناده "حبيبي" يوماً لأني قلتها كثيراً من قبل، هو أكثر من ذلك، وأنا في صدد أن أجد تعريفاً جديداً. إنه طفلي وسأعيد إنجابه مرات ومرات. إني ماضية في لعبة القمار معه لأحصل على كل ما أريد منه، أو أخسر كل ما لدي...

كتبت مقالات عدة عن المرأة، عن مواضيع اجتماعية وثقافية، ولكن فاتني أن أكتب نظريّتي عن العشق والغرام، والآن، وأنا أعيشه، يمكنني أن أضع نظريتي، رغم أنه يستحيل قياس الحب إلا بعد زواله، ولكن البدايات تأتي متضخّمة، تأتي جارفة مثل الصاعقة، والنهايات تأتي فيه أكثر تعقلاً، فالحب لا يبدأ إلا في لحظة جنون ثنائي؛ يصف الفيلسوف سلافوي جيجيك الحب بأنه شيطان يزعزع توازن الإنسان، ويقول أيضاً عنه: "الحب هو عمل عنيف للغاية.. هو كارثة تحلّ بالإنسان، هو مرض مجنون يفتك به، ولكننا أناس حزينون جداً ومهملون عندما لا نكون في حالة حبّ".

هكذا الحب يأتي مزدوجاً بين الحزن والسعادة، إنه بورصة انفعالية تتحكّم به مكنونات ظرفية، ترفع أسهم الحزن تارة، وترفع أسهم السعادة المطلقة تارة أخرى، لكننا كبشر مقامرين تجذبنا فيه كميّة السعادة، لذلك نبحث عنه في كل مكان، متناسين أوجاعه وهواجسه. وحدهم المحبطون واليائسون من يتجنبونه ويخافونه لما عانوا من لوعاته. الحبّ فعل شجاع لا يقوى عليه كثيرون. أن تحبّ بصوت عالٍ، وأن يسمع العالم أنين قلبك، هو فعل شجاع جداً. وأن تصرّح بذلك، وأن لا تبخل على من تحبّ، هو فعل إنساني يستحق التقدير. الحبّ ليس ضعفاً، الحبّ من شيم الأقوياء فقط. الحبّ مغامرة يقوم بها المغامرون فقط، ويصفهم نيكولا ميكيافيلي: "المغامرون هم ببساطة أولئك الذين يفهمون أنه لا يوجد فارق بين العقبة والفرصة، وقادرون على تحويلها كلها لمصلحتهم".

الحبّ يأتي عندما تسقط كل الأجهزة الدفاعية عن "الأنا"، عندما يتوارى الحذر من الآخر، عندما لا تشعر بالخطر وأنت في خطر الوقوع في حبّ الآخر. العلاقات التي تحرّكها دوافع غريزة الوجود ليست حبّاً، إنما مناورات واحتيال على الحبّ، هذا نوع آخر من العواطف المقرونة بعقد اجتماعي بين طرفين. الحبّ حالة مختلفة جداً لا يتقنها إلا من تحرّر من عقدة الإنجاب، ومن كل قوالب الحبّ الاجتماعية، والقواعد المرسومة له، وكل شكلياته...

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard