مأساة جورج مأساة وطن

13 شباط 2019 | 09:55

المصدر: النهار

ككل أبناء هذا الوطن الصغير، علمنا بنبأ إضرام السيد المغفور له جورج زريق النار بجسده، ما أدى إلى لفظ أنفاسه الأخيرة في المشفى ووفاته. نبأ هزّ ضمائر اللبنانيين، وكثرٌ منهم بدأ ينعت الوطن والحياة على ترابه بأبشع النعوت، فمن يريد الرحيل، ومن يقول الوطن جريح أو غريق. وكانت قصص موت المواطنين على أبواب المستشفيات تهزّ كياننا وتبكينا لأننا نعتقد أن لكل إنسان الحق في الاستشفاء طالما ينتمي إلى مجموعة وأرض تسمى وطناً. وأصبحنا أمام موت من نوع جديد، فهو إراديٌ ناتجٌ عن إحساس عالٍ بالقهر، وعلى أبواب المدارس.

أود أن أتقدم بأحر التعازي لذوي جورج الشهيد... شهيد حبّه لأولاده وعشقه لهم. شهيد القهر. ولاحظت، ويا للمفارقة، السياسيين في بلدي يسرعون إلى مشاطرة الناس في جولة النّدب المحقّة وكأنهم ليسوا مسؤولين. وأتمنى أن لا نستفيق غداً أو بعد غدّ على نبأ مأساة أخرى.

طبعاً، نستطيع إيجاد الكثير من الكلمات لنرثو الفقيد، وإلقاء اللوم على أي ، ولكن آن الأوان لأن نطرح الموضوع بطريقة تسلّط الضوء على أساس المشكلة؛ وهنا أود أشير الى أن لبنان فشل كبلد، بشهادة أهله، في تأهيل مرافق أساسية لحياة كريمة، رغم الدعم الهائل الذي تلقّاه لبنان. وهنا لن أدخل في مناقشة الأسباب التي أدّت إلى هذا الفشل، فالأسباب كثيرة.

ما يهمني هنا هو القول إن على الدولة أن تحزم أمرها وأن تختار خيار العدل. فهي تدفع رواتب تفوق ضعفَي ما تستطيع تحمّله، فالكلّ يعلم العجز في الموازنة والمداخيل، وعلى الرغم من ذلك فشلت المدرسة الرسمية في كسب ثقة المواطنين، وأكاد أجزم أن لبنان يكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يسدّد تكاليف تعليم أبناء مدرّسيه الرسميين في المدارس الخاصة.

اليوم مطلوب من الدولة أن تنظر الى كل جوانب هذا القطاع الأساس في تكوين الانسان، وأن تخطو خطوات أبعد بكثير من تخفيض أو رفع نسبة النجاح، وأخذ قرارات صعبة لكن صحيّة على المدى البعيد. ومن خلال رؤيتي للموضوع، أطالب الدولة بإلغاء التمييز ووقف دفع تكاليف أبناء أساتذة القطاع الرسمي في المدارس الخاصة، وذلك لحثّ هؤلاء على أن يكونوا مثالاً يحتذى به، واستخراج أقصى ما لديهم من مهارة، وفرض رقابة صارمة على نوعية التعليم. وعلى الدولة أن تعي أن المواطنين ينتظرون منها قوانين عادلة تحت شعار المساواة في الظلم عدالة، إن كان من ذلك بدّ. وأطالب الدولة أن تتلقف تشكيل الحكومة الجديدة، وتضع يدها على قطاعات التعليم والاستشفاء والتلوث والطرقات والكهرباء، فهذه أمور تعتبر أساس أي دولة تودّ أن ترفع من نوعية حياة أبنائها. ولا بدّ من إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأمور في نصابها حتى نخرج من هذه الدوامة، فيكفي لبنان طائفيته المقيتة الفريدة وموقعه الجغرافي، وعلى النقابات أن تعي وتعمل جنباً الى جنب مع الدولة لبناء أسس جديدة تنطلق منها عملية إعادة بناء وطن لكل أبنائه، على قاعدة التعليم والاستشفاء والامان للجميع.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard