ذاكرة متعبة

12 شباط 2019 | 11:50

المصدر: النهار

لاحت أنوار الفجر من وراء الجبال الشّامخة. لاح عطر الصّباح، فأخذت السّماء زينتها ولبست أحلى حللها. ها هي تتبختر كعروس فُتِن بجمالها الرسّامون لكنهم عجزوا عن رسمها. هي من بديع الصُّنع، صُنع ربّها، وما هي مجرّد ألوان تغمر النّفس، إذ فيها سحر يحدّث الرّوح. يهمس إليها ويرحل بها. يقطفها لِيُعيدها الى لحظة ولادة جديدة حتى كأنّها ترسوعلى شواطئ الفطرة والسّكينة، لتخلع أقنعة العُجبِ وتتبعثر، ثم تتوحّد من جديد مع عناصر الطبيعة.

كانت تُحبّ الجلوس على سطح منزلها لتراقب هذا المولد الجديد على أنغام فيروز. تجلس صامتة تسترجع أحلام الطّفولة، والشّوق إلى براءة الحمام.

في فصل الشتاء شتاء، تلتحف أحلامها الملتهبة، وتخرج عند الصباح لتعانق بصبر وصمت مولودها الجديد. تلك هي الأمومة الحق.

لم تكن "ماما"، ولكنّ الأنثى فيها ظلّت تحتضن كلّ من يطرق بابها من الصغار. اعتادوا زيارتها، فكانت تستقبلهم بحفاوة كما يُستقبل الفرسان بعد كلّ انتصار، وتغمرهم بعطاياها وكلماتها حتّى لا يكاد يخلومنزلها يوماً من الحلوى والمرطّبات واللّعب.

اعتاد سكّان الحي سماع قهقهة الأطفال تنطلق من بين جدران بيتها وتحلّق في الفضاء منسابة من النوافذ، فتزرع الحيّ أقحواناً وياسمين.

تقول لهم بدفء الأمّ: "ضحكاتكم عطر أيّامي ونور قلبي، فلا ترحلوا بعطري، ولا تذروني في عتمتي".

كان يومها المفضّل هو يوم الأحد، إذ يقتحم أطفال الجيران مطبخها لإعداد المرطّبات على وقع أناشيد الفرح والفوضى.

تتغيّر ملامحها بوجودهم حتى كأنّ الزّمن يعود بها إلى أيّام الشّباب. حتى التجاعيد التي سكنت وجهها تغدو جميلة بلقياهم. فبصحبتهم تعانق براءة الفراش وذكريات سنوات مضت بلا رحيق يروي ظمأها إلى الأطفال.

يقلّ زوارها في فترة الامتحانات، فتسكن الوحشة منزلها الصّغير ويضيق عليها فلا تطيق صبراً.

منذ الصّباح، ترتدي معطفها الأسود الطّويل، وتضع وشاحها المزركش بألوان الرّبيع، وتخرج بحثاً عن أطفال الطبيعة. تراها تتجوّل ببطء، بين الأشجار، تراقب الطّيور وتتحدّث إلى الزّهور. وإذا ما اعترضها طفل تغطّيه ببُرْنُس أمومتها العطشى وتقبّله.

ها هي تحلّق حوله كفراش حائر يستجدي عطف الزّهور. تقترب منه فيشعر بطمأنينة لا يعرف لها سبباً، وتسْعِده بقطعة حلوى تُخرجها من جيبها.

أكثر ما كان يدهش سكّان مدينتها أنّ هذه الأمّ الحنون كان يسكنها صمت غريب. صمت أزليّ لا بداية له ولا نهاية. فهي لا تكاد تردّ التحية إذا ما خاطبها أحدهم. صحيح أنّ الابتسامة لا تبارح محيّاها، ولكنّ ثغرها يمتنع عن الكلام فلا تسمع لها إلا عبارة واحدة: "السلام عليكم".

اعتاد سكان الحيّ طباعها حتى أطلقوا عليها اسم "حوريّة ". فهي في نظرهم ملاك من السّماء. تمشي على الأرض لتصافح البراءة والنقاء. لا تُبالي بمتاع الدّنيا ولا بشغف غيرها بالشهوات.

لم تستطع، هذا الأحد، أن تركن لكتاب اختارته من مكتبة المدينة. لقد تزامن الأمر مع الامتحانات. فلقد كانت بها رغبة جامحة إلى الخروج، لكن إلى أين في هذا الطّقس البارد؟ لقد اختفت الشمس وراء سحب سوداء تنذر بأمطار طوفانيّة. في مثل هذه الأيّام تشتدّ آلام الرُوماتيزم فتُكبّل جسدها وتُتعب فِكرها المُثقل بذكريات ماضٍ لا يعلم عن خفاياه أحد! فقد أخفته حتى صار سراباً لا تكاد تذكر منه إلّا بقايا إحساس بألم يُمزّق الصّمت إذا ما سمعت كلمة "ماما".

ارتدت معطفها وحملت مطريّتها بيد مرتعشة وخرجت تُمشّط الطّرقات على غير هدى. فجأة، استوقفها صوتٌ أنطقَ صمتَ العذاب فيها. صوت خرج من سراديب الماضي البعيد. صوت شقَّ السّماء وعصف بالغمام وأوقف المطر.

فتحت عينيها وحدّقت جيّداً. أمّا قلبها فلم تعد تدري إن كان انقطع عن النبض أم سكن بين أضلعها، فهو لم يتحمّل هوْل الحدث.

نظرت إلى ذلك الرّجل الواقف أمامها، وهو لا يدرك ما فعل بعجوز زهدت في الدنيا منذ بزوغ شمسها. آه، تغيّرت ملامحه، تجعّد وجهه، واحدودب ظهره من وطأة الأيّام، ولكنّها أبداً لم تته عن نبرة صوته وبريق عينيه.

أيعقل بعد أكثر من خمسين سنة، بعد هذا العمر، بعد هذا الصّمت، أن يحُطّ القدر على سكّة قطارها من جديد؟

أرادت دخول المقهى. أرادت أن تحتضن عبق الماضي وريحان الشّباب. أرادت أن تقطف من جديد أيّام السّراب وحبّ المراهقة. لكنّ تشبّثت الأرض بها وكبّلت حركتها. آهٍ من الماضي وقسوته. آهٍ من حنظله وعسله. كيف مرّ العمر؟ كيف سرقوا الأمل وزرعوا الشّوك والألم؟

تشتّت ذهنها وهي تسترجع صوراً اعتقدت أنّها امّحت من ذاكرتها. صوراً اعتقدت أنّ السنين كانت كفيلة بمحوِها إلى الأبد.

لكن صوته أحيا الذكريات... وهل هي فعلاً ذكريات؟ أم ما زالت تراوح مكانها منذ خمسين سنة؟

أهو الماضي البعيد يعود من جديد، أم هو الحاضر الذي لا ينتهي؟

ما زالت تذكر كيف اشتدّ بها الهيام فقطف أوراقها وسقاها عسلاً. ملأ وِجدانها فرحلت معه إلى مدن لا تعطي للحبّ تسميات العُهر والضّياع.

كانت طفلة. كانت زهرة. أينعت فقطفها بُستانيٌّ بكلّ وحشيّة العشق، فخلّف عاصفة رجّت كيانها وأسقطت أوراقها.

كلّ ما تذكره هو صراخ أخيها الأصغر: "أنت عار علينا، سأقتلك وأقتل عهرك".

كلّ ما تذكره هو بكاء أمّها، خوف أختها، وصمت والدها الذي سكنته الشّيخوخة فجأة.

وما تذكره فعلاً هو كيف جرّدوها من ثمرة حبّها بعد زيارة للمستشفى في ليلة شتاء قارس وقد التحفوا عتمة ليلٍ بلا بدرٍ ولا نجوم. ليلٌ كسَتْه أمطار ألْزمت سكّان مدينتها منازلهم... ربّما كان هذا سبب حزنها الحقيقي كلّما حلّ الشتاء أو أنذرت السّماء بالمطر.

رمقته بنظرة متعبة، حالمة، محمّلة بأشواق الماضي وأشواكه وهي تذكر ذاك اليوم، كيف رحل فراشها، فارسها الذي اعتقدت يوماً أنه همّام واختفى فجأة ككل الجبناء.

..........

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard