برلين ٦٩ – "بفضل الله" لفرنسوا أوزون يفتح ملّف البيدوفيلية في الكنيسة

10 شباط 2019 | 13:19

المصدر: "النهار"

ملفيل بوبو في "بفضل الله".

صحيح أنّ فرنسوا أوزون لم يفتتح فعلياً الدورة التاسعة والستين لـ #مهرجان_برلين (٧ - ١٧ الجاري)، لكنه من حيث أهمية الموضوع الذي يطرحه في فيلمه الأحدث "بفضل الله"، يكاد يكون مدشّن الحدث السينمائي الألماني الذي انطلق فعلياً مساء الخميس الماضي بـ"لطف الغرباء" للمخرجة الدانماركية لونه شرفيغ، هذا الفيلم ذي النيّات الطيبة الذي يبعث داخل المُشاهد بعض المشاعر الإيجابية الضرورية في هذه الأزمنة الصعبة.

بعد نحو سنتين على عرض آخر أفلامه في كانّ، يعود أوزون بـ"بفضل الله"، وهو عمل مرجعي يفتح ملّف البيدوفيلية في الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ليس بالتحدي القليل نظراً إلى السلطة التي تملكها هذه المؤسسة الدينية العريقة. أول ما يلفت في جديد أوزون هو انه لا يقتفي خطى أعماله السابقة (على تنوعها)، أي ان عمله لا يحمل نزواته التي ألفناها وكبرنا عليها فيلماً بعد فيلم. فلقد اختار هذه المرة ان يلتصق بموضوعه تماماً، خدمةً له، من دون أي تجاوز عليه وبلا أدنى نزعة استعراضية لقدراته الإخراجية. فأوزون هنا غير أوزون "العشيق المزدوج". شيئان يتشارك فيهما الفيلمان: الاستسلام إلى نداء البدن الذي يأتي على صاحبه بالويلات، وتقارب الحال بين المعذَّب والمعذِّب. لكن أوزون، الذي يعني اسمه بالفرنسية (صوتياً) "نتجرأ"، يتخلّى هنا عن هوايته: تحقيق أفلام غير متوقّعة، مليئة بالحياة والوجوه المعبّرة والشغف والسينيكية. هناك دائماً ما يمكن ان نحبّه في كلّ جديد له؛ التمثيل أو الإخراج أو البنية السردية أو ببساطة النحو الجذّاب الذي يحملنا بواسطته إلى حقب وأماكن مختلفة.

المواطن والسلطة الكنسية.

الحكاية التي يستند اليها "بفضل الله" حقيقية ولا تزال فصولها متواصلة. انها قضية الأب بيرينا المتهم باعتداءات جنسية على قاصرين في أبرشية ليون بين ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته. السلطة الكنسية كانت على علم بسلوكه، ومع ذلك لم يتم عزله الا في العام ٢٠١٥. لا تزال التحقيقات جارية في هذه القضية، اذ لم تقل المحكمة بعد كلمتها الأخيرة، ولكن، كما قال أوزون في المؤتمر الصحافي عقب عرض الفيلم صباح الجمعة، فإن الفيلم لن يؤثر في قرار المحكمة الذي سيصدر في السابع من الشهر المقبل. أما تاريخ عرضه في الصالات الفرنسية الذي كان مقرراً في العشرين من الجاري فتم تأجيله.

يقول أوزون في مقابلة أجرتها معه "لا كروا" الفرنسية بأنه صُعِق عندما اكتشف الموقع الإلكتروني الذي أسسه ضحايا الأب بيرينا، ومنهم ألكسندر الذي منه ينطلق كلّ شيء في الفيلم (يضطلع بدوره ملفيل بوبو)، حينما يقرر ان يخرج من صمت يلازمه منذ أيام الطفولة، والتحدث عمّا تعرض له من انتهاك بالتفاصيل يوم اعتدى عليه الأب. ما جذب أوزون إلى القضية، ليست رغبته في التزام قضية (على أهميتها)، انما مقاربة قضية التحرش بالأولاد في الكنيسة من وجهة نظر الضعف الرجالي. ففي زمن يفضّل اعطاء الكلمة للمرأة، يختار أوزون رجالا ضعفاء مكسورين، للعودة بهم إلى تجارب الطفولة المعذّبة في حضور كاهن يخون المبادئ الدينية ليذعن للإشباع الجسدي. ما يصوّره، هو هذا الضعف الذي يتحوّل قوة.


فرنسوا أوزون في برلين.


لم ينجز أوزون فيلماً معادياً للكنيسة ولم يحاول النيل من صورة الإكليروس وهيبته، فهو ليس لويس بونويل أو كان راسل ولا يطمح إلى ان يكون أياً منهما. بل على العكس، يعتبر تربيته الكاثوليكية ثراء له، لكونها مدّته بحسّ الخطيئة والانتهاك، ذلك اننا، كما يقول، "ننتظر من الفنّان ان يذهب إلى حيث لا تسمح له الأخلاق". واضح جداً ما أحبّه أوزون في قصّة ألكسندر: تديّنه وقدرته على فصل الأشياء بعضها عن بعض، الدين عن الإيمان. فألكسندر، على رغم التروما التي عاشها وصمت عنها لسنوات قبل ان يقرر تفجير القضية، شديد الإيمان والتقوى. وهو اذ يرغب في نبش الماضي فليس تلبية لنزعة انتقامية، بل إحقاقاً للعدالة التي يؤمن بها ولا يرى سبيلاً آخر لتجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل. كلمة اعتذار من الكاهن المتربّص بماضيه لعلها كانت كافية، ولكن حتى هذا الاعتذار يُحرم منه، فيلجأ إلى القضاء.

اذاً، كلّ شيء ينطلق بألكسندر، عندما يكتشف، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال، ان الأب بيرينا لا يزال يمارس مهامه ككاهن رعية ولا يزال على تواصل مع الأطفال. لكن الفيلم غير محصور بروايته ولا يكتفي بحساسيته. هناك حساسيات وروايات أخرى تُضاف اليها، مع دخول فرنسوا (دوني مينوشيه) على الخط. هذا الأخير له حكاية تحرش أخرى مع الكاهن نفسه، وطريقة تعاطيه مع القضية مختلفة أيضاً، تتطور تباعاً من الانكار إلى الاصرار على نيل حقّه كاملاً. فرنسوا ملحد ويتعامل مع الأشياء بغضب وانفعال. وستتفاعل القضية… بعد ألكسندر وفرنسوا، آخرون سيخرجون عن صمتهم، وسيدلون بدلائهم، واحداً تلو الآخر، لتتحوّل المسألة إلى كرة ثلج.

لا يهتم الفيلم بالقضية وتغطيتها في الاعلام، بقدر ما ينحاز إلى تداعياتها في محيط الضحايا. تفجير القضية سيعود بالضرر حتى على الضحايا أنفسهم. المعاناة بالنسبة اليهم مزدوجة: لا يكفي انهم عاشوا تروما في الطفولة، فسيعيشون تروما أخرى ذات طبيعة مختلفة يوم يقررون الخروج عن الصمت. في هذا المعنى، ليس الفيلم عن الكنيسة بقدر ما هو عن تضامن "ضعفاء" ضد مؤسسة جبارة. انه نوعاً ما صراع دافيد ضد غوليات.

يقول أوزون انه كان يُمكن ان يحلّ مكان الكنيسة في مجالي الرياضة أو التربية، الا ان الكنيسة هي كلّ شيء سوى نادٍ رياضيّ، فهي مؤسسة أخلاقية وروحية. وهذا ما يصرّح به الكاردينال بارباران الذي يتولى ادارة الأزمة. يقول: كاهن وبيدوفيلي لا يلتقيان.

بعيداً من "النادي" لبابلو لوراين الذي عُرض في برلين قبل أربعة أعوام، يقارب الفيلم البيدوفيلية داخل الكنيسة من خلال تقريب الجاني من الضحية، وإظهار مدى تناقض وجهات النظر (ولو أن التركيز هو على الضحايا ونضالهم، مقابل الاكتفاء بتقديم رجال الدين لا أكثر). بالنسبة للسلطة الدينية، الاعتذار كافٍ علماً انه يعزز الصمت ولا يشفي غليل الضحية الذي يبقى ضحية على الرغم من الاعتراف بكونه ضحية.

اقرأ أيضاً: جولييت بينوش سيدة الدببة في برلين

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard