مقطع من رواية "الليل الأخير": يصرخ بصوت كمثل الرعد في يوم عاصف

8 شباط 2019 | 15:11

غلاف الرواية.

كأنما رحب الدنيا ضاق كالضيق الذي في صدري، ألتقط أنفاسي بصعوبة، لا أشعر الآن بقدميّ، لست قادرًا على الصراخ أو التعبير عما أشعر به، أمسيت في عالمٍ بين عالمين، مات بعضي والبعض الآخر لا يزال يبحث عن بصيص أمل يبقيه حيًا، أو ربما يبحث في ذاكرتي.

شعوري الآن تمامًا كالشعور الذي غمرني أثناء ولادتي، فها أنا جنين تكاد أنفاسه أن تخمد، فقاوم وركل بكل ما لديه من حول وقوة، يريد الخروج إلى عالم مجهول الهوية، هاربًا من الزمان، تاركًا عالم الأرحام .

أعلم أني ولدت كما قيل لي عام 1918، في قرية لبنانية جنوبية لا استطيع تذكر اسمها الآن، فعقاب الآخرة قد بدأ والاحتضار بالنسبة لمجرم مثلي شعور مؤلم، مؤلم للغاية.

ترعرعت وسط عائلة فقيرة، لم يتبق منها سوى أمي، أختي وأنا. فأخوتي قضوا في المجاعة التي عصفت بنا خلال الحرب العالمية الأولى. أما أبي فقد التحق بالجيش العثماني ليصبح مجهول المصير، لم نسمع عنه خبراً. كل ما ورثته من عائلتي عالم مثالي تجسد في أمي.

في الحقيقة لم أنظر إلى الكون إلا من عينيها، فكنت مدلّلها الصغير الذي لطالما اعتبرته وجه البركة والخير، إذ أنّ الحرب انتهت بمولدي. وكانت هي ملاكي المنزل من السماء، سمراء بعيون عسلية، وقامة طويلة فيها الحنان والهيبة، لا أذكر أنها وبختني يوماً. كانت مجاهدة كادحة، تعمل في مجال الخياطة، لم تكن خياطة عادية بل كانت لها سمعة رفيعة في كل القرى المجاورة، إذ كان الجميع يقصدها من وجهاء وبرجوازيين وفقراء. وكلما كبرت، زاد تعلقي بها أكثر فأكثر، وازداد حبي لها، فإن غابت أمي عن البيت ساعة من أجل العمل، كنت أتمنى أن تحل اللعنة على كل الزبائن، لا بل على أهل الأرض كلهم.

كان دانيال من الزبائن الأثرياء الذين يتردّدون إلى منزلنا بشكل دائم، رجل لطيف في منتصف الأربعين، جميل الوجه، أبيض اللون، له شعر مصبوغ بلون الشمس، يتمشّى بخفة بقامة متوسطة الطول.

وأظنه كان يتردّد لا من أجل تطريز الملابس وتفصيلها، إنما لأجل أمي. كنت أشعر بذلك، كنت أشعر بأنّه يحبّها، إلى أن جاء اليوم الذي تيقنتُ فيه من ذلك. 

أذكر ذلك اليوم جيدًا، إذ جاء هذا الرجل خاطبًا أمي، التي لم تتردد برفضه أبدًا، محتجة بنا وبمصير أبي الذي لا يزال مجهولًا. وما إن سمع الرفض منها، حتى تحوّل من طيب لطيف إلى وحش منهزم هائج في الدار، يصرخ بصوت كمثل الرعد في يوم عاصف وممطر. تلمح الشر في عينيه اللتين صمّمتا على الانتقام، فمن المعيب أن يرفض طلب رجل غني، لا سيما من امرأة. فإنّ في ذلك مذلّة وإهانة لكبريائه ورجولته.

"سوف تندمين يا روز، سوف تندمين... هذه مذلّة وعار ، أقسم باللّه أنك ستندمين".

ما إن أتمّ هذه الكلمات، حتى انهمرت الدموع كمثل الشمع الذائب من عيني أمي، كأنما هذه الدموع الغالية سرقت مني الطفولة وقتها، وأحيت في داخلي رجلًا عمره من غضب السنين. فافترسته بكلماتي:

_ أيها العاهر دانيال.

_ مَن العاهر يا ابن عاملة المنزل؟

_ أقسم أني سوف أقتلك، سوف أنتقم لدموع أمي.

_ لا تزال صغيرًا أيها المسخ، لا تستطيع تقويم الجمال، انظر إلى أمّك، إنها آية من الجمال، تثير شهوتي.

بهذه الكلمات التي لم استطع فهمها آنذاك، خرج أخيراً ملقياً نظراته الأخيرة على أختي مارلين التي كانت متسمّرة كمثل صخرة في صحراء، شاحبة اللون كغيمة سوداء بلا مشاعر، تحبس في جوارحها أمطار هذا العالم. أما أمّي فقد هرعت إلى مخدعها كمثل جسد بلا روح، رسمة بلا ظلال، فاحت منها رائحة الوحدة والانكسار.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard