يوميّات ستروبيري – الحلقة الثانية: القرويّة الجبانة تتنزّه في واجهة بيروت البحريّة

7 شباط 2019 | 17:13

لا شيء "سيُهدهد" هذا الظمأ المُدمّر للحُبّ المُتواصل، وهذا الجوع "للعرض" المُستمرّ للعواطف الجيّاشة، سوى نزهة طويلة و"حضاريّة" في واجهة بيروت البحريّة. هُناك، حيث "تتمختر" الكلاب عادةً مع أصحابها (أو لنكن أكثر دقّة: أهلها) لساعات نابضة بالحياة (أو في ما يخصّنا، أي عائلة آل ديري الكرام: نابضة بالأحاسيس المُتناقضة!). وتلهو وتُهرول، وتعرض مفاتنها في وجه الرياح المُتقلّبة، وتُراقب "الرايح والجايي" بما يُشبه الانخطاف. وينساب ذيلها في كل الاتجاهات تعبيراً عن البهجة والسعادة والرضا والامتنان. وكأن هذا "المشوار" هو في الحقيقة التعبير الأقصى عن الحُب بين الكلاب ومن يهتم بها، و"إنّو ياي! مامي وبابي عم نكزدر ع الكورنيش!".


باستثناء، طبعاً، حبيبة قلب العائلة "الدلّوعة" الجبانة التي "نستورد" أشعّة الشمس من مزاجها في اللحظة، "ستروبيري"، التي تخاف من ظلّها، وتتحوّل معها كل نزهة وكأنها مشروع فضيحة يجعل الناس يعتقدون "إنّو هالمعتّرة أول مرّة بتطلع من البيت". ومع ذلك تُعاملنا داخل المنزل العائلي الذي لا يُمكن أن تستغني عن كماليّاته المُريحة، باستبداد تُلوّنه بمختلف الأصوات التي تختارها وتُصدرها انطلاقاً من الخطّة التي تُريد أن تتوسّلها "هيّي وبنت ساعتها".

نعم، بكل فخر، نقدّم لكم ستروبيري، أو "بلابيلو" التي يشهد الجيران على تاريخها الملبّد بالتصرّفات الهمجيّة، وعلى عدم قدرتها على تقبّل الواقع الذي يفيد أن الأرض لا تدور من حولها.

ولسبب أو لآخر تعتقد أنها في الواقع قطّة "ما في داعي تطلع من البيت"، إذ إن كل الغرف موضوعة تحت تصرّفها لتحوّلها ملاذها الآمن، ومربض خيلها، وملعبها المديد، وبكل تأكيد حمّامها "اللوكس" (أي فاخر ولِمَ لا مُترف!).


كيف يُمكن أن نقنع "بلبولة" بأن "الكزدورة" المُشوّقة في واجهة بيروت البحريّة "المستوفة" بالكلاب "الكلاس" التي تُحسن التصرّف و"ماشية عالليبرة"، ليست في الواقع مسيرة للانتصار على الأعداء؟ وما من ضرورة لكي "ترتعد وترتجف وترتعش"، أو أن تتعامل مع الآخرين وكأنهم الجحيم المُحرقة، و"ليش يا ماما جبتيني لهون؟".



ستروبيري تختبئ خلفنا أنا ووالدي عندما نخوض مُغامرة الكزدورة في الواجهة البحريّة، وغالباً ما تُحاول أن تحرَّر من رباطها. ما يدفع والدي الذي يعشقها، لا بل هو في الواقع "مغمور" في حبّها، إلى الصراخ: "بلبولة، لا يا جدّو، لا حبيبي. ما بيسوا تتصرّفي هيك يا حياة جدّو". والناس يلتفتون نحو هذا المسنّ الوقور الذي يرتدي بدلة "خلنج" أي أنيقة، ويتحدث بجديّة "لا تنبئ بالخير" مع كلبة صغيرة تتصرّف وكأنها في الواقع "ديفا ما ناقص بعد إلا إنّو تنفش ريشها"!


فإذا بنا نبتسم باضطرابٍ وبعضِ خجلٍ ليس في الواقع من شيم عائلتنا ولكنْ للضرورة أحكام، ونُحاول أن "نُلملم حالنا". ونأخذ ستروبيري "يالّلي بتبيّض الوجه" على الأرصفة الخالية من الناس والمتفرّعة من الكورنيش الرئيسي.

وما إن نعود، وقد ارتدينا ثوب الهزيمة والانكسار والخيبة، إلى المنزل، تستلقي "بلبولة" على ظهرها وتتنفّس الصعداء، أو"تغل بالتيتا" أو بلعبتها المفضلة، وكأنها تقول على طريقتها الدراماتيكيّة، "خيّ! الديك على مزبلته صيّاح!".



                                                 Hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard