تقرير بنك عودة عن الفصل الرابع من العام 2018: من أجل تصويب مسار النمو الإقتصادي نحو طاقاته الطويلة الأمد

6 شباط 2019 | 16:41

بنك عودة.

عقب الانتهاء من إعداد هذا التقرير، شهد لبنان تشكيل حكومة وحدة وطنية، ما وضع حداً للجمود السياسي الدي استمر ثمانية أشهر منذ الانتخابات النيابية في أيار الماضي، ليتأتّى عن ذلك ردود فعل إيجابية من قبل المجتمع الدولي ويولّد انتعاشاً في الأسواق المالية المحلية بشكل عام، كما يشهد على ذلك التقلّص الملموس في مردود سندات اليوروبوندز اللبنانية وهوامش مقايضة المخاطر الائتمانية، ناهيك عن تغيّر الاتجاه في أسواق القطع والنقد. مع الإشارة إلى أن التقرير التالي يغطي العام 2018 ككل، أي قبيل تشكيل الحكومة التي طال انتظارها.

شهد القطاع الحقيقي للاقتصاد اللبناني ظروفاً صعبة نسبياً في العام 2018، لكن القطاع المالي استمر بالنمو باعتدال. عليه، فقد خفّض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان إلى 1٪ في العام 2018 وذلك من 1.5% وفق توقعات سابقة. في المقابل، يقدّر مصرف لبنان النمو الاقتصادي في لبنان ما بين 1.5% و2% في العام 2018. هذا وفي حين أن العام 2018 قد سجل مزيداً من التباطؤ في النمو الاقتصادي، إلا أنه لم يشهد ركوداً بالمعنى الحقيقي للركود، أي نمو سلبي أو انكماش صافٍ في اقتصاد لبنان الحقيقي.

ويرتبط هذا التباطؤ المستمر في النمو الاقتصادي الذي ساد خلال العام 2018 بحالة من الترقب والتريث التي تشوب أوساط مستثمري القطاع الخاص الذين يتردّدون في الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة في لبنان. أما الاستهلاك الخاص فقد سجّل نمواً معتدلاً (مستفيداً خلال العام الماضي من إقرار سلسلة الرتب والرواتب) في حين وفّر نمو الإنفاق الحكومي دعماً طفيفاً للنمو الاقتصادي في البلاد.

فمن أصل 11 مؤشر للقطاع الحقيقي، ارتفعت 5 مؤشرات بينما تراجعت 6 مؤشرات خلال العام 2018 بالمقارنة مع العام 2017. ومن بين المؤشّرات التي سجّلت نمواً إيجابياً نذكر عدد المسافرين عبر مطار بيروت الذي سجل نمواً بنسبة 7.4%، وعدد السياح (+5.8%)، والصادرات (+4.3%)، والواردات (+2.5%) وإنتاج الكهرباء (+1.2%). ومن المؤشرات التي سجلت نسب نمو سلبية نذكر مساحة رخص البناء الممنوحة (-23.1%)، وقيمة المبيعات العقارية (-18.3%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (-11.3%)، وحجم البضائع في المرفأ (-7.5%)، وتسليمات الإسمنت (-5.3%)، وقيمة الشيكات المتقاصة (-2.5%).

أما على الصعيد المصرفي، فقد نمت ودائع الزبائن بقيمة 5.6 مليار دولار خلال العام 2018 (وبقيمة 6.8 مليار دولار عند إضافة ودائع القطاع المالي والقطاع العام)، مقابل 6.2 مليار دولار خلال العام 2017. هذا ونمت ودائع غير المقيمين بقيمة 2.6 مليار دولار خلال العام الماضي، مقابل 1.2 مليار دولار خلال العام السابق. أما من حيث التسليف المصرفي، فقد استقرت تقريباً محفظة التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص خلال العام 2018 في مقابل نمو بقيمة 2.5 مليار دولار خلال العام 2017 ومتوسط نمو بقيمة 3.2 مليار دولار خلال الأعوام الخمس السابقة.

إن التحسن الملحوظ في نمو الودائع لغير المقيمين يفسّر جزئياً اتساع العجز في ميزان المدفوعات بين الفترتين. إذ سجل ميزان المدفوعات عجزاً بقيمة 4.8 مليار دولار خلال العام 2018، بالمقارنة مع عجز بقيمة 156 مليون دولار خلال الفترة المماثلة من العام السابق، وذلك في سياق تراجع حركة الأموال الوافدة واتساع العجز التجاري.

وعلى صعيد المالية العامة، سُجل تردٍ صافٍ في أوضاع المالية العامة في العام 2018 عقب التحسن النسبي خلال العام 2017. إذ ارتفع العجز المالي العام من ملياري دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2017 إلى 4.5 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018، في سياق نمو في الإنفاق العام بنسبة 27% وفي الإيرادات العامة بنسبة 3%. في المقابل، بلغ الدين العام 84 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني 2018، أي ما يقارب 148% من الناتج المحلي الإجمالي.

أما على صعيد أسواق الرساميل، فقد شهدت أسواق الأسهم وسندات الدين ضغوطات خلال العام 2018. فتلبّد المناخ السياسي الداخلي ووهن الأسواق الناشئة قد أرخى بثقله على سوق اليوروبوندز اللبنانية. إذ ارتفع متوسط المردود المثقل بمقدار 341 نقطة أساس ليصل إلى 9.95% في نهاية العام 2018، بعدما وصل إلى مستوى قياسي ناهز 11.23% في منتصف شهر أيلول 2018. أما هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات فقد أقفلت العام 2018 على 750 نقطة أساس، أي باتساع مقداره 249 نقطة أساس، بعدما تجاوزت عتبة الـ800 نقطة أساس عدة مرات خلال النصف الثاني من العام 2018. وعلى صعيد سوق الأسهم، انخفضت أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت بنسبة 15% في العام 2018 في ظل ارتفاع في تقلبية الأسعار، في حين انخفضت القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 38% على أساس سنوي.

الخلاصة: لمحة مختصرة عن أداء العام 2018 وعن آفاق العام 2019

باختصار، كان العام 2018 صعباً على الاقتصاد اللبناني، من قطاعات النشاط إلى الأسواق المالية بشكل عام، في ظل تلبّد المناخ السياسي الداخلي لاسيما خلال النصف الثاني من العام. فقد شهد العام المنصرم نمواً متدنياً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحيث يقدّره صندوق النقد الدولي بنسبة 1٪، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاقتصاد اللبناني يتطلّب نمواً حقيقياً بنسبة لا تقل عن 6٪ لضمان خلق فرص عمل جديدة لاستيعاب أكثر من 30,000 لبناني ينضمون كل سنة إلى القوى العاملة في لبنان. من هنا، فإن المؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان، والذي يعكس أداء القطاع الحقيقي، قد نما خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام بثلث النمو المحقّق خلال الفترة المماثلة من السنوات الخمس الماضية. هذا ويشير تطوّر مؤشرات القطاع الحقيقي إلى أن جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً قد شهدت وهناً إضافياً خلال العام الماضي. أما بالنسبة للقطاع المالي، فقد سجلت تدفقات الأموال الوافدة تراجعاً صافياً خلال العام الماضي، مما أثّر سلباً على نمو الودائع المصرفية الذي، وإن لا يزال إيجابياً، سجل أداءً متواضعاً نسبياً في الإجمال.

إن تزايد التلبّد السائد في الأجواء السياسية خلال العام الماضي، لاسيما التأخير في تشكيل حكومة جديدة، قد أرخى بثقله على الأوضاع الاقتصادية من خلال عدد من القنوات: (1) تداعيات سلبية على الاستثمار الخاص والمدفوع بتأجيل قرارات المستثمرين وسط تلبّد المناخ الاستثماري؛ (2) تداعيات سلبية على الاستثمار العام في البنى التحتية من خلال عدم تجسيد مقرّرات مؤتمر "سيدر" والمخاطر المترتبة على احتمال خسارة لبنان المنح والقروض المقرّرة؛ (3) تداعيات سلبية على الإصلاحات الهيكلية المنتظرة للحدّ من تنامي نسب الدين والعجز المالي العام المرتفعة في لبنان؛ (4) تداعيات سلبية على تدفقات الأموال الوافدة المطلوبة لتمويل العجوزات الخارجية للبلاد. عليه، وفي حين أن لهذه العوامل المذكورة أبعاد وازنة، إلا أن الاقتصاد الحقيقي الذي تباطأ أكثر خلال الأشهر القليلة الماضية، لم يقع في فخ الركود وهو ما يعكسه معدّل النمو الإيجابي على الرغم من انخفاضه. ويعزى ذلك في الواقع إلى شبه المناعة التي يتسم بها الاستهلاك الخاص، وإلى الدعم المستمر من قبل الجاليات اللبنانية المنتشرة في بلدان الاغتراب، ناهيك عن استقرار الأوضاع الأمنية المحلية وسط منطقة تشوبها أوضاع أمنية غير مستقرة.

إن توقعاتنا الماكرو اقتصادية للعام 2019 تتمحور حول نمو في الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.5٪ (أو 6% بالقيم الإسمية) عقب تشكيل حكومة جديدة وبالترافق مع تقدّم بطيء على صعيد تطبيق مقرّرات مؤتمر سيدر. فالنمو الاقتصادي الإسمي سيكون مدفوعاً: (1) بنمو بنسبة 6.5% في حركة الاستهلاك الخاص، (2) في حين من المرجح أن يراوح الاستهلاك الخاص على مستويات العام 2018 في ظل تلبّد المناخ السياسي والاقتصادي مما يرخي بثقله على المبادرات الاستثمارية، (3) مع نمو بنسبة 24% في الاستثمار العام، انطلاقاً من قاعدة ضعيفة، في سياق إطلاق البرنامج الاستثماري الجديد، (4) وإلى جانب نمو في الصادرات بنسبة 14% في ظل إعادة فتح معابر التصدير البرّي عبر سوريا (لاسيما معبر نصيب الحدودي). بموازاة ذلك، من المتوقع أن تنمو الكتلة النقدية بنسبة 4٪ مدفوعةً بنمو في التدفقات المالية الوافدة بنسبة 8%، مما قد يؤدي إلى تقليص العجز في ميزان المدفوعات.

في حين أننا لا نرى زعزعة للاستقرار النقدي في لبنان في المدى القريب في ضوء المكانة النسبية التي تتمتّع بها عناصر الحماية المالية والنقدية لاسيما في ظل الاحتياطيات الأجنبية المرتفعة (بنسبة 80% من الكتلة النقدية بالليرة) والسيولة المصرفية المتوافرة (بنسبة 50% من الودائع بالعملات الأجنبية)، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في الحدّ من الاختلالات القائمة في أوضاع المالية العامة والتي تمثل عنصر الهشاشة الأبرز في الاقتصاد اللبناني. فمع نسبة دين عام تقارب 150% من الناتج المحلي الإجمالي (ثالث أعلى نسبة حول العالم) ونسبة عجز مالي عام تبلغ 10% من الناتج المحلي الإجمالي (في العشر الأول عالمياً)، فإن إطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية يعتبر حاجة ضرورية اليوم لتأمين الهبوط الآمن على صعيد المالية العامة. وهذه الإصلاحات ينبغي أن تكون مبنيّة على التقشف في الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات العامة، لاسيما عن طريق تعزيز الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، إضافةً إلى إصلاح قطاع الكهرباء، بالترافق مع تدابير محفّزة للنمو الاقتصادي تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال في لبنان.

في الختام، في حين أن المخارج لا تزال متوفرة وهي تتطلب خيارات اقتصادية صارمة من قبل واضعي السياسات، إلا أن ليس بمقدور لبنان تأخير الإصلاحات التي طال انتظارها. عليه، فإن إحراز تقدم ملموس على هذه المستويات كما أن تنفيذ تعهدات مؤتمر "سيدر" بشأن تمويل الانفاق للبنى التحتية من شأنه أن يمهّد إلى نقل لبنان من حقبة المخاوف الماكرو اقتصادية إلى حقبة الاحتواء التدريجي للمخاطر والتهديدات كشرط أساسي لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود وتقليص الفجوة بين الناتج المحلي الإجمالي الحالي والناتج الممكن تحقيقه.

مصارف الأعمال في لبنان... مرحلة تحوّل في الأسواق المالية تستدعي الحذر

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard