الوضع المتردّي في التبّانة يُنذر بانفجار اجتماعي

1 شباط 2019 | 15:57

الصورة عن "أ.ف.ب".

يَذكر تقرير "آفاق الاقتصاد الإقليمي" الصادر عن صندوق النقد الدولي في أيّار 2018 أن النمو العالمي استمر بالارتفاع في النصف الثاني من 2017 حتى بلغ نحو 3.8% للعام كله. ومن المتوقع أن يحقق النمو العالمي مزيداً من الارتفاع ليبلغ 3.9% في عامي 2018 و2019.

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، فإن ﻣﻌدﻝ اﻟﻧﻣو اﻹﻗﻠﻳﻣﻲ فيها لم يتعدَّ ﻣﻧذ ٢٠١١ ﺛﻼﺛﺔ أرﺑﺎع ﻣﺗوﺳط اﻟﻌﻘد اﻟﺳﺎﺑق والبالغ نحو 1.4%، وﻫو ﻣﻌدﻝ ﻏﻳر ﻛﺎف ﻹﺣداث ﺧﻔض ﻣﻠﻣوس في البطالة التي تعانيها. وفيما يشير التقرير إلى أن عرقلة النمو في هذه المنطقة يعود بشكل أساسي إلى طول أمد الصراعات الإقليمية، إلا أنه يحضّ بلدان هذه المنطقة للاستفادة من فترة الانتعاش العالمي، من خلال التعجيل بالإصلاحات اللازمة لإعطاء دفعة للنمو وإيجاد فرص عمل.

أما في لبنان، فإضافة إلى كونه إحدى هذه الدول التي تعاني تداعيات التجاذبات السياسيّة والأمنيّة الإقليميّة، فإن مقوماته الاقتصادية ضعيفة بالأساس بسبب تفاقم أزمة الدين العام، مما لم يسمح لاقتصاده بنمو يتجاوز 2.5% منذ العام 2012، في حين كان يقارب 8% في عامي 2009 و2010. وقد قدَّرَ صندوق النقد الدولي النموّ الاقتصادي في لبنان بـ 1.2% خلال العام 2017، متوقِّعاً أن تصل هذه النسبة إلى 1.5% في العام 2018 و 1.8% في 2019.

إن هذا التراجع المتكرر في النمو منذ العام 2012 يشير إلى وجود مشاكل اقتصادية حقيقية في لبنان، مما ينعكس سلباً على الوضع الاجتماعي فيه من ازدياد نسب البطالة والهجرة والفقر. لكن، وإن كانت كل المناطق اللبنانية تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة، إلا أن بعضها وصل إلى ظروف قاسية جداً وبات يهدّد بانفجار اجتماعي كبير.

فطرابلس والشمال مثلاً، ذُكرتا في تقرير البنك الدولي الأخير لعام 2017 على أنهما الأفقر في لبنان، كما أن طرابلس احتلت المرتبة الأولى للفقر على حوض البحر الأبيض المتوسط. وإذ كانت معظم الحارات القديمة في طرابلس تعاني الإهمال المزمن، إلا أن المنطقة الأكثر فقراً وبطالة فيها هي حالياً باب التبانة، فيما كانت تُلقّب سابقاً بباب الذهب مع كل ما يوحي إليه هذا اللقب من بحبوحة ورخاء في العيش. فالتبانة كانت منطقة سكنية وسوقاً تجارية مزدهراة في آن واحد، كما كان الشارع الرئيسي فيها والمسمى شارع سوريا، أول طريق معبّد لنقل البضائع ما بين شمال لبنان وجنوب الساحل السوري، كما كان محطة عبور للقطار الذي يصل بيروت بحمص.

لكن هذا الباب عانى، بدءاً من النصف الثاني للقرن العشرين، مصائب وحروب عدة جعلته يتراجع من أهم سوق للعمل والاستثمار، إلى أكثر منطقة فيها دمار وبطالة وفقر وتسرب مدرسي، وضعف في البنى التحتية وفي ظروف العمل والسكن، حتى أضحت أكبر حزام بؤسٍ وفقرٍ في لبنان.

تظهر دراسة الأمم المتحدة للسكن الصادرة في شهر آب 2018 أن باب التبانة فقدت وضعها كمصدر للمواد الغذائية والحاجات المنزلية لعدة أسباب، منها نقص بيوت السكن الذي تجلى في العام 1960 جراء طوفان نهر أبو علي سنة 1955، وتوقف سكة القطار في العام 1975 إثر اندلاع الحرب الأهلية، ومن بعدها الأحداث التي وقعت بين حيي التبانة وجبل محسن في الثمانينيات، ومن ثم ما بين عامي 2008 و2014. وتلفت الدراسة إلى أن غالبية البنية تحتاج إلى إصلاح فعلي فوري، فالأبنية متآكلة بفعل مرور الزمن، وبسب دمار الأحداث وما تعرضت له من تصدّعات، وانخفاض مستوى الصيانة كمًّا ونوعاً. كما تظهر الدراسة أن الوضع الصحي في التبانة صعب جداً، حيث يعاني 14% من السكان من مرض خطير، و63,3% بحاجة إلى دواء، و22% هم مرضى حساسية ونقص مناعي، أما البطالة فتبلغ فيها 58,8%.

وبحسب دراسة الاسكوا لعام 2015، فإن نسبة الذين يعيشون ضمن ظروف صعبة في طرابلس تخطّت 90% في بعض الأحياء، مثل باب التبانة وحي التنك ومنطقة السويقة، إضافة إلى أن نحو 23% من السكان يقبعون تحت خط الفقر حيث يبلغ دخلهم اليومي أقل من دولارين.

كل هذه الدراسات وغيرها تشير إلى ضرورة الاستعجال في معالجة الوضع الاقتصادي العام في لبنان أولاً، ومن ثم الوضع الاقتصادي الخاص في طرابلس وتحديداً في التبانة. وإن سعت الحكومة السابقة، والتي ما زالت تمارس تصريف الأعمال، إلى تأمين القروض من الدول الداعمة التي شاركت في مؤتمر "سيدر" في باريس 2018 بغية تعزيز الاستثمار في لبنان وتأهيل البنى التحتية بعد إجراء الاصلاحات اللازمة، إلا أن التداعيات الجيوسياسية ما زالت تعيق تشكيل الحكومة الجديدة التي يقع على عاتقها تنفيذ توصيات هذا المؤتمر.

إن الوضع المعيشي في لبنان عامةً، وفي طرابلس ومنطقة التبانة خصوصاً، يقف على فوهة بركان، وانفجاره سيؤدي إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية والسياسية والأمنية. فلا بد من الحلحلة السريعة لعُقد تشكيل الحكومة وانطلاقتها في عملية الإصلاحات تمهيداً للنهوض الاقتصادي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard