الطائفية في لبنان

31 كانون الثاني 2019 | 10:45

المصدر: النهار

  • مروى صباح
  • المصدر: النهار

لطالما انتشرت السرطانات الطائفية والسياسية في العديد من دول العالم، ومن بين هذه الدول لبنان المستضعف من جميع القوى العالمية، وبالتالي فهي قديمة ـ جديدة في آن واحد. إن هذه الظاهرة لم تولد مصادفةً، بل جرى التأسيس لبُناها التحتيّة لتحلّ علينا كما الزلزال الذي لم يضع له ريختر درجةً في سلّمه، لأن ارتداداته قد تمتد لأعوام طويلة وربما أكثر. أما من ناحية انتقالها من عوالم أخرى إلى عالمنا، يصح القول هنا بأن بعض المندسّين حملوها لنا، وزينوا بالزخارف اللفظية مظهرها الخارجي، ليراها الشعب كتحفة جمالية تمثّل الحرية، بينما كانت تخبّئ في طيّاتها مطاحن الموت الإبداعي، وسيوفاً تهدم آمال المواطن في الاستقرار الوظيفي داخل أحضان موطنه الأم. وبناءً على ذلك يمكننا القول إن الطائفية بذرة زرعت في النفوس وتجذّرت فينا مع مرور الأيام، لتصبح جزءاً من اللاوعي الإنساني الذي يصعب التحكم به.

إذاً، متى سيتم إلقاء القبض على الطائفية في الوظائف الحكومية كرهينة؟ وهل بإمكاننا نزع قشرتها عن نفوسنا وأبداننا؟!

يولد الشعب اللبناني وهو يرضع من نبيذ الطائفية، فيتحوّل بذلك إلى أداة أو حتى دمية تحرّكها يد الزعيم التابع له؛ فيفرح طائفيا،ً ويبكي طائفياً، لتستمر به القافلة الى أن يموت طائفياً؛ ففي لبنان كلٌّ محسوب على طائفته. بفضلها يتمكّن من الحصول على الوظائف الحكومية، على الرغم من أن الدستور اللبناني نصّ على عدم التركيز على هذه النقطة، بل شدّد على إلغائها من القاموس اللبناني، إلاّ في ما يتعلّق بشؤون الفئة الأولى. الطائفية هي السبب الأول الذي حرم الشباب من الإخصاب الإبداعي، واستنزفت طاقات الشعب وموارده وهدمت أحلامه، حتى جعلت لنفسها مكانة ضمن مقوّمات الهويّة اللبنانية. وابتغاءً لإبعاد شكوك الناس عن هذه الجريمة الإنسانية القومية، أسّس بعض اللبنانيين ما يدعى بـ "مجلس الخدمة المدنية" الذي يقوم بإجراء الامتحانات واختيار المؤهلين للقيام بوظيفة ما على أساس الكفاءة والخبرة دون الانقياد وراء التيار الطائفي، والمراد من كلامي هذا القول إنه تأسّس بغية خدمة المواطن اللبناني بشتى انتماءاته بناءً على قدراته، ولكن ما حصل على أرض الواقع كان مخالفاً لما قيل؛ لأن المراسيم الوزارية منعت توظيف خرّيجي مجلس الخدمة المدنية وذلك لأسباب طائفية بامتياز، منها مراعاة التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الوظائف. إن ما يحصل الآن يضع الشباب في صراع خطير بين انتماءاتهم وخبراتهم، فيتحمّلون بذلك أعباءً إضافية تستهلك آبارهم الإبداعية.

إن مسألة التوظيف لم تمسّ جميع طبقات المجتمع، بل انحصرت في نطاق أبناء الفئة الكادحة والفقيرة التي تسعى إلى الحصول على استقلاليتها وإثبات قدراتها في المجتمع والدولة. ومع الأسف، فإن ما يدور في رأس المسؤولين من ليالٍ حالكة، أودى بأولئك الذين يسعون لتوقيع معاهدتهم مع الحياة، ما نشر اليأس في عقولهم بشكل متزايد؛ فهم من يتحمّلون المصاعب والأعباء المعيشية الصعبة. أما الأمر الذي زاد الطين بلّة فهو قيام دولتنا العزيزة بتحميلهم عبء المحاصصة، الأمر الذي جعلهم يسعون للهرب من مقاطعات الظلام هذه، والاحتماء في بلدان أخرى تفسح المجال لهم ليعبّروا عن ذاتهم من الناحية العملية والمهنية. كما تجدر الإشارة إلى أنه، وبحسب التفكير المنطقي، لا ذنب للمواطن في مسألة تحقيق التوازن، بل يجب عدم أخذها بعين الاعتبار، لأن من يجد نفسه مؤهّلاً يتقدّم الى الامتحانات التي تقام في هذا المجلس بغضّ النظر عن طائفته.

أخيراً، أقول إن المواطنين عامةً، والناجحين خاصةً، أعلنوا الحداد على وطنٍ غرق في دهاليز الطائفية الوظيفية، وطنٌ أعمى بصيرته الطمع للمناصب العليا، حتى نسي حكّامه حقوق الشعب الذي دمّره سرطان النظام الطائفي، وجعله في سباق بين لقمة العيش وميدان العمل، في ظل غيابٍ واضح للحلول والتشريعات التي تساهم في التخفيف من حدة المشكلة. علينا أولاً نزع هذه الوصمة من نفوسنا، وعدم تعبيد الطريق أمامها لمتابعة سيرها والفتك بالطاقات والجهود.

فماذا سيحلّ بأولئك الذين يتصارعون مع الحياة في سبيل الحصول على لقمة العيش؟ ومن سيتحمّل أخلاقياً مسؤولية ظلم هؤلاء المواطنين؟!!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard