"مسافر ليل" و "البيست سيلر"...

31 كانون الثاني 2019 | 11:30

المصدر: النهار

على الجانب الثاني من دار الأوبرا، وأمام مسرح الهناجر، تقف عربة قطار، حولها لافتات إعلانيّة لمسرحية "مسافر ليل"؛ كلما مررت من أمامها أتوقّف متردّدة في حضور العرض، وأي عرض في هذا المكان الضيق!! يجذبني اسم الفنان القدير "علاء قوقة"، وأنا من المعجبين بأدائه البسيط، السهل الممتنع، وهو يعزف بمهارة على أوتار الشخصية التي يؤدّيها.

أخيرًا قرّرت الذهاب في ليل شتاء بارد... على شباك التذاكر رأيت جمعاً من الشباب!! أليس هم أتباع شعار "البيست سيلر"، ما جمعهم حول صلاح عبد الصبور؟!

نفدت التذاكر في أقل من عشر دقائق، ولم ينفضّ الزحام، إلا مع تنبيه المسؤول أن العرض مستمر لأيام أخرى.

كنا ننتظر جميعًا في شغف وترقّب لما سنرى في هذه البقعة الضيقة، متجاهلين أو متناسين ومضات البرد تلفح وجوهنا وتجمّد أيادينا.

وأخيرًا صعدنا الى العربة التي تماثل من الداخل عربة قطار درجة ثالثة، بمقاعد خشبية تتسع لشخصين، ومساحة ضئيلة؛ سرعان ما امتلأت أغلب المقاعد بثلاثة أفراد لم يسعهم الانتظار حتى اليوم التالي.

بدأ القطار بالانطلاق، يصاحب صوتاً تحرّكه موسيقى تبدو كضوء خافت في الخلفية.

فجأة، جاء رجل متوسط العمر يحمل كتابًا ونظّارة وجلس الى جانبي، وكنت بدوري أشارك المقعد مع أحد الشباب الحاضرين؛ ألقى علينا التحية بصوتٍ خافت... ثم بدأ في رواية الحكاية.

وكأن من هدايا العرض لي في هذا اليوم أن يبدأ من عندي، فيختصّني الله بهذه الميزة المباركة.

أخذَنا أداؤه وأداء المتميز الفنان (حمدي عباس) المناسب لدور المواطن المندهش، المنزوي، المرتجف دومًا، يصاحبه صوت الرواي (الفنان جهاد أبو العينين) يتلون ببراعة مع الكلمات والانفعالات، إلى أن ظهر القدير "علاء قوقة"، ولم يكن يمثّل، بل يعزف نوتةً موسيقية صعودًا وهبوطًا مع نغمات الشخصية، يتنقّل بسهولة وتناغم بين ثناياتها. كلنا كان مأخوذاً بأداء الفنانين، تجوّلنا بانسيابية بين السلطة والاستبداد والضعف، تعاطفنا مع المواطن الضعيف، ولم يمنحنا المستبدّ الفرصة لنكرهه كما يجب. أبهرَنا الأداء في هذه المساحة الضيقة التي ضمّت الجمهور والأبطال، يشعر كلّ منهم بنبض الآخر، نتنسّم رائحة الخوف والقوة في صراع متناغم غير عادل، أبدع في كتابته صلاح عبد الصبور، وجسّده الفنّانون ببراعة. وصلنا إلى محطة النهاية وقد ذاب الراوي وسط الجماهير يستنجد بهم من استبداد السلطة، ليتحوّل من مثقّف يسكن برجًا عاجيًّا، إلى مواطن ضعيف لا حول له ولا قوة، ثم يصل القطار ويسدل الستار على واقع لا ينتهي.

عرض مدتّه لا تتجاوز الساعة، ستوّن دقيقة من المتعة والإثارة لا تخلو من البهجة، لم تتخلّلها ثانية واحدة من الملل، استطاع الفنّانون الثلاثة، ببراعة، جذب الشباب إلى قصة من الستينيّات، بعيدًا عن صيحات "البيست سيلر" الحالية.

ترجّلت من عربة القطار، وقفت لدقائق طويلة بين الحضور الذي لم يكن يريد المغادرة. جمهور متعطّش الى المتعة والفنّ الحقيقي إذا وجده. الوجوه مبتسمة رغم قسوة القصة، لكنها لمست حياتهم. انحازوا الى الأداء التمثيلي والمعالجة الدرامية الجادّة الرصينة. آراؤهم كلها لصالح المسرحية، وكأن أحداً أنقذهم عن حق من الجوّ العام المناهض لرغبتهم الحقيقية في فنّ حقيقي.

لقد استطاع صلاح عبد الصبور الوصول الى الشباب ببساطة وعمق، من خلال رحلة قصيرة، بمساعدة فنّان قدير "علاء قوقة"، آخذًا بيد الشباب، من المخرج والقائمين على العمل، إلى المتفرجين.

فهل من مزيد؟!

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard