رسالة حب إلى اللبنانيين من أحفادهم في تونس

26 كانون الثاني 2019 | 22:11

المصدر: "النهار"

اذا اردت ان تستعيد حبك للبنان فاذهب إلى تونس.

أزور تونس مرة في السنة تقريبا منذ 1990. في كل مرة اسمع الكلام نفسه: "نحب لبنان برشا برشا (اي كثيرا)، الشعب اللبناني والشعب التونسي كيف كيف" (اي يتشابهان).

بالنسبة للتونسيين لا يرجع هذا التشابه الى تقارب اجتماعي ثقافي فحسب. بل يعود الى التاريخ القديم عندما حلت أليسار، ابنة ملك صور الفينيقية، في قرطاج، وأسست مملكتها في تونس. التونسيون يعتبرون اللبنانيين أجدادهم.

هذا "الاصل" الفينيقي المشترك، الحقيقي أو المبالَغ فيه، يتكلم عنه أصدقائي التونسيون بكل فخر، أكانوا ذوي نزعة يسارية، عروبية أم وطنية. هذا لا يمنعهم على الاطلاق من التمسك بعروبتهم ومن الدفاع الشرس عن قضايا العرب وفي طليعتها قضية فلسطين.

لطالما بدا لي ذلك غريبا، ولو مستحبا، انا القادم من حرب أهلية يختلف أطرافها حول انتمائهم، واضعين الانتماء الفينيقي كنقيض للانتماء العربي وكسبب إضافي لاقتتالهم.

التونسيون-أو التوانسة- قلقون على أجدادهم في لبنان الذين يواجهون ازمات وطنية واقتصادية واجتماعية متواصلة. هم ايضا ليسوا في وضع مطمئن ومريح، لكنهم على عكس اللبنانيين يقاومون أوضاعهم الصعبة وبجدارة.

وفي مقاومتهم الكثير مما يمكن لللبنانيين ان يتعلّموه.

هم يقاومون للحفاظ على مكتسبات الثورة في ما يتعلق بالحرية والديموقراطية وفي جو من الوحدة الوطنية.

ولقد أعطوا مثالا رائعا حول الانتقال الديموقراطي على رغم الصراع السياسي الحاد بين الاحزاب العلمانية والاسلامية. معتمدين بذلك على الدور المركزي المشترك لقوى المجتمع المدني، عمالاً وأصحاب عمل ومحامين ومدافعين عن حقوق الانسان، بما تمثله هذه القوى من تماسك وطني وقيم راسخة في مجال الحقوق والحوار والسلم الأهلي.

هم يقاومون ايضا من أجل استعادة النمو الاقتصادي، لكن هذا النمو لا يكون على حساب العدالة الاجتماعية.

يقود الاتحاد التونسي للشغل، أكبر تنظيم نقابي في البلد، مفاوضات صعبة مع الحكومة، ويضغط عليها بالاضرابات، من اجل الحفاظ على أجور العاملين وحقوقهم، في وجه إملاءات صندوق النقد الدولي الذي يقرن دعمه المالي بشروط، من المتوقع ان يدفع الأجراء والفئات الشعبية ثمن تلبيتها.

معروف ان لدى تونس نظامين، تعليمياً وصحياً عامين، يقدمان خدمات عامة مجانية وذات جودة. لكن هذين القطاعين يتعرضان بعد الثورة لإهمال الدولة ولمنافسة القطاع الخاص.

لكن الاتحاد التونسي للشغل لا يترك للدولة او للمؤسسات المالية الدولية مسألة طرح إصلاح القطاع العام والوظيفة العمومية، بل يبادر هو إلى تقديم الاقتراحات والمشاريع الإصلاحية.

ويرفع الاتحاد شعار "السيادة الوطنية" في وجه المؤسسات المالية الدولية التي تفرض على البلد شروطها، إلى جانب شعاراته الاجتماعية.

ويقاوم التونسيون ايضا وأيضا من اجل المحافظة على دولتهم العلمانية التي اسّس لها بورقيبة، في وجه تيار إسلامي قوي ومدعوم من دول خارجية. كما انهم يواجهون عمليات ارهابية متصاعدة، من خلال جيشهم وقواهم الامنية.

معركتهم الحالية في مجال العلمانية، هي من اجل المساواة في الارث بين الرجل والمرأة التي اقرّتها الحكومة ويبقى ان يوافق عليها مجلس النواب.

ويقود رئيس الجمهورية بنفسه معركة إقرار المساواة في الارث. وقد صرح أخيرا بشكل قاطع: "ليس لنا علاقة بحكاية الدين او القرآن، نحن نتعامل مع الدستور ونحن في دولة مدنية".

المساواة في الارث تستكمل المساواة على الصعد كافةً بين المراة والرجل التي نصت عليها القوانين التونسية. هذه المساواة تحتضنها حركة نسائية جريئة وقوية لطالما وقفت في الشارع دفاعا عن مكتسباتها.

طبعا يعرف التونسيون التركيبة الطائفية في لبنان وما تشكله من عائق امام بناء الدولة المدنية الحديثة. لكن مجرد المقارنة بين الحذر الشديد الذي تتعاطى فيه الحركة النسائية اللبنانية مع قوانين الاحوال الشخصية، وقدرة الحركة النسائية التونسية على مقاربة آيات قرآنية، يعطي فكرة حول الصفات النضالية التي تتمتع بها نساء تونس.

كذلك يعرف التونسيون مدى تأثير وجود العدو الاسرائيلي على حدود لبنان الجنوبية، على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى الأمني والاستقرار بشكل عام.

واذا كان التونسيون يؤيدون في الاجمال المقاومة العسكرية ضد الاحتلال، الا انهم اتبعوا عبر تاريخهم سياسة عدم الانحياز إلى المحاور الإقليمية والدولية، واضعين مصلحتهم الوطنية فوق كل اعتبار.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard