فتوى: DNA موثوق فيه لإثبات النسب... مشكوك فيه للنفي

23 كانون الثاني 2019 | 16:53

المصدر: "النهار"

رسم تعبيري.

أثارت فتوى أصدرتها دار الإفتاء المصرية عن مدى جواز استخدام تحاليل الحمض النووي "دي أن آي" في نفي وإثبات النسب، علامات استفهام، إذ بدت متناقضة، فهي من ناحية تعتبر هذه التحاليل جائزة الاستخدام وموثوقاً فيها في إثبات النسب في حالات شرعية محددة، وغير دقيقة وتحتمل الخطأ في حالة النفي، وإن ثبتت صحتها "يقيناً" في ذات الحالات الشرعية.

وتأتي هذه الفتوى في وقت تدور نقاشات وجدالات بمصر حول ضرورة تجديد الخطاب الديني. وتعتمد الفتوى على آراء فقهية تراثية قديمة ومثيرة للجدل، كما أنها تعتبر الطفل الذي ولد من الزنا كأنه لم يولد.

وشهدت مصر في الآونة الأخيرة نزاعات أثارت ضجة كبيرة، حول إثبات بنوة أطفال قالت أمهاتهم إنهن كن متزوجات عرفياً ، ويردن إثبات حقوقهن، ومن ثم اضطررن للجوء إلى تلك التحاليل لإثبات حقوق أطفالهن.

تناقض و"هدر"

وكان السؤال الذي تلقته دار الإفتاء: "هل يجوز عند الاشتباه في المواليد تجربة الحمض النووي (DNA) في إثبات النسب أو نفيه؟".

وجاءت الإجابة: "يجوز إثبات النسب بالبصمة الوراثية إذا كان ذلك في عقدِ زواجٍ صحيحٍ -لا يتم اللعان فيه بين الزوجين- أو فاسدٍ؛ وذلك مراعاةً لحق الطفل، وإحياءً للولد، وحملًا لحال المرأة على الصلاح، وكذلك في حالة التنازع على مجهول النسب، والاشتباه في المواليد وأطفال الأنابيب، وفي حالة ضياع الأطفال وحدوث الحوادث أو الكوارث وصعوبة التعرف عليهم"

وأضافت الفتوى: "أما في حالة الزنا فلا يثبت نسب الطفل إلى الزاني أصلًا، وإنما يُنسَب لأمه فقط، لأن ماء الزنا هدَرٌ؛ أي لا يُعتَدُّ به شرعًا".

وأما نفي النسب بالبصمة الوراثية فلا يجوز شرعًا حسبما تؤكد الفتوى "لأن التحاليل يحتمل فيها الخطأ وإن دلَّت على النفي أو الإثبات يقينًا، فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظنُّ في طريق إثباته، مما يجعله غير معتدٍّ به شرعًا في نفي النسب".

ويشير خبراء في التحاليل إلى أن نسبة الخطأ في اختبارات الحمض النووي لا تتجاوز حالة واحدة في كل 30 مليار حالة.

الفقه القديم يحكم

وانتقد الباحث الإسلامي المستشار أحمد عبده ماهر الفتوى واعتبر ما يفعله الفقهاء "إهداراً للعلم، وتمسك بالفقه القديم".

ويقول ماهر لـ"النهار": "السادة الفقهاء ليس لهم في سوية الإدراك نصيب، إذ إنهم اعتادوا أن يقولوا الشيء ونقيضه في كل الأمور. إننا كمسلمين نتحمل جانبا من الخطأ، فقد أوكلنا إلى الفقهاء كل المسائل العلمية، والأدبية، والأخلاقية، والشرعية ليفتوا فيها".


ويضرب الباحث الإسلامي مثلا، قائلاً: "حين يقول الله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، نجد أنه بما أن هذا الأمر في القرآن، يشمر السادة الفقهاء عن سواعدهم، ويفسرون أموراً ليس لهم فيها علم، إذ إن هذا الأمر يخص رجال العلم، مثل علماء الحفريات الذين يستطيعون أن يخبرونا من خلال أبحاثهم العلمية كيف بدأ الخلق، لكن السادة الفقهاء يقومون بهذا الدور بدلاً منهم"، و"حين يقول الله (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ)، وهذا موضوع يخص علماء الزراعة الذين يمكنهم أن يحدثونا عن اللقاحات التي يحملها الهواء لتلقح الأزهار، نجد الفقهاء يتحدثون في الأمر. وهذا يعني أننا تعاملنا مع القرآن بطريقة خاطئة، وتعاملنا مع الفقهاء بطريقة غير صحيحة، فأعطيناهم الفرصة للفتوى فيما يفهمونه وما لا يفهمونه، وهذه خطيئة مجتمعية في التعامل مع القرآن".

ويعود ماهر للفتوى ويقول: "بالنسبة للتناقض الموجود بالفتوى، اعتاد الفقهاء على هذا. الأصل في البصمة الوراثية هو اكتشاف ما غم على الناس معرفته، فإذا كان اثنان متزوجين، والعلاقة قائمة بينهما، ثم حملت الزوجة، فإنه لا شك في أن هذا الطفل ابن الرجل (زوجها)، إلا إذا شكك الرجل، وهنا نلجأ إلى العلم، لكن للأسف الفقهاء عندهم شريعة تقول إنه طالما يمكن التوالد من هذه الزيجة، وثبتت الخلوة الشرعية بين الزوجين، تثبت البنوة بالضرورة، حتى وإن كانت الزوجة خائنة، وأثبتت التحاليل عدم وجود نسب بين الطفل والزوج، وفي هذا نفي للعلم بشكل كامل، من أجل فهمهم القديم".

ويرى الباحث الإسلامي أن "فقهاء الحاضر لديهم علم يمكن الركون إليه، لكنهم لا يستخدمونه، ويرتكنون إلى الفقه القديم. وهذا أمر مثير للعجب، فإذا كان الفقهاء القدماء لديهم نقص في الجانب العلمي، ففقهائنا الحاليين لديهم ثراء علمي يمتنعوا عن استخدامه، وهنا نقول لهم لاحظوا أنكم تتدخلون فيما لا تفهمون، فالفقه لا يعني الفهم فقط، ولكنه يعني العلم مع الفهم. الفقه وحده لا يصلح أن يكون مناط نعتمد عليه في عصرنا الحالي".

"سيكومو" مارد الكرتون

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard