ترامب يجتاز "فوضى" النصف الأوّل من ولايته.. فماذا عن النصف الثاني؟

22 كانون الثاني 2019 | 13:47

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل مراسم التنصيب، 20 كانون الأول 2017 - "أب"

كان يوم 20 كانون الثاني 2017 يوماً ممطراً في واشنطن. توقّع كثر أن يشكّل ذلك النهار الذي تمّ خلاله تنصيب دونالد #ترامب رئيساً للولايات المتّحدة، منعطفاً بارزاً في شخصيّته وحدّاً فاصلاً بين مسيرة ترامب المرشّح ومسيرة ترامب الرئيس. لكنّ هذه التوقّعات خابت إلى حدّ بعيد. فبعد ذاك اليوم، واصل ترامب إثارة الجدل في تصريحاته وتغريداته وتصرّفاته التي افتقدت للدقّة أحياناً وللأسلوب الديبلوماسيّ أحياناً أخرى. 

ما هو عدد التصريحات "المضلّلة أو الخاطئة؟"

على سبيل المثال، أشار ترامب إلى "أنّ الله نظر إلى الأدنى وقال ‘لن ندعها تمطر على خطابك‘" متابعاً أنّ تساقط الأمطار توقّف بعد قراءته أوّل سطر من كلمته ثمّ أطلّت الشمس قبل أن تنهمر الأمطار عند مغادرته المنصّة. لكن تبيّن لاحقاً عدم دقّة هذا الكلام. وفي الواقع، إلى جانب هذا القول، عدّدت صحيفة "ذي اندبندنت" البريطانيّة أربعة مزاعم أخرى تمّ تبيان خطئها وذلك فقط في الفترة التي تراوحت بين 20 و 23 كانون الثاني 2017.


انشغل الإعلام الأميركيّ والعالميّ بتعداد الأحاديث الخاطئة لترامب، حتى كتب مراسل صحيفة "ذا غارديان" في نيويورك آدم غابّات تقريراً عن الموضوع واصفاً هذا العمل بالمرهق بالنسبة إلى المدقّقين في تطابق الخطابات السياسيّة مع الوقائع. ونقل عن موقع "فاكت تشيكر" إشارته إلى أنّ ترامب أطلق 7645 تصريحاً "خاطئاً أو مضلّلاً". واقع أنّ تصريحات وتغريدات ترامب، كانت مشوبة بالشكوك إزاء دقّتها لم يكن وحده ما أثار الجدل. في بعض الأحيان، جلب غموض كلامه غضباً لدى قسم من الأميركيّين، لأنّه وبدلاً من أن يتحدث بحزم في بعض المواقف، ساوى بطريقة غير مباشرة مثلاً بين المتسيّدين البيض وبين ضحايا الهجوم الذي شنّه أحد هؤلاء ضدّ تجمّع مناهض للعنصريّة في تشارلوتسفيل في آب 2017.

مصافحات وتصرّفات مريبة

إلى جانب أفكاره، كان سلوك ترامب محور أضواء الإعلام في عدد من المواقف، فبرزت مثلاً مصافحاته العنيفة للزعماء وقادة الدول والتي لانت بعد مصافحة الرئيس الفرنسيّ إيمّانويل #ماكرون في أيّار 2017. كثيراً ما شكّلت مصافحات الرئيس، أو حتى امتناعه عنها، جوهر الحدث في لقاءاته، إذ إنّه امتنع عن مصافحة المستشارة الألمانيّة أنجيلا #ميركل في آذار 2017 على الرغم من مطالبة الصحافيّين بذلك. كذلك الأمر بالنسبة إلى امتناعه عن مصافحة ماكرون في تشرين الثاني الماضي، عقب إشارة الأخير إلى ضرورة إنشاء جيش أوروبّيّ. وفي تمّوز أيضاً، كان لافتاً للنظر كيف خرق ترامب البروتوكول على أكثر من مستوى عندما حلّ ضيفاً عند الملكة إليزابيث.

الوعود في السياسة الخارجيّة

إحدى العلامات الفارقة الأخرى في ولاية ترامب، تنفيذه عدداً بارزاً من الوعود التي أطلقها. في الخارج، استطاع ترامب الانسحاب أو إعادة التفاوض حول عدد من الاتّفاقات التي انتقدها خلال حملته. ولم يستغرق الأمر سوى أيّام قليلة جدّاً على دخوله البيت الأبيض كما حصل مع اتّفاقيّة التجارة الحرّة في أميركا الشماليّة" (نافتا) والانسحاب من اتّفاقيّة الشراكة التجاريّة عبر الهادئ (TPP).

وفي 1 تشرين الأوّل 2018، أعلنت الولايات المتّحدة وكندا والمكسيك التوصّل إلى "الاتفاقيّة الاقتصاديّة الأميركيّة المكسيكيّة الكنديّة" لتحلّ محلّ "نافتا". لكنّه لم يُعد بلاده إلى الاتّفاقيّة الجديدة للشراكة عبر الأطلسيّ، على الرغم من أنّه تحدّث في السابق عن احتمال كهذا. بالمقابل، لا يزال الرئيس الأميركيّ غير مندفع للعودة إلى #اتّفاقيّة_باريس_للمناخ التي انسحب منها في حزيران 2017، هو الذي رأى في #التغيّر_المناخيّ "مؤامرة" صينيّة قبل أن يتراجع عن هذه النظرة في تطوّر مفاجئ إلى حدّ ما منذ ثلاثة أشهر. ومن غير الواضح ما إذا كانت فكرة التفاوض حول اتّفاق آخر تراوده في قرارة نفسه. ومن بين أبرز الاتّفاقات التي انسحب منها أيضاً، الاتّفاق النوويّ مع #إيران والمعروف رسميّاً باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". جاءت هذه الخطوة في أيّار 2018 تنفيذاً أيضاً لما تعهّد به خلال الانتخابات، وقد فرض في الوقت عينه مجموعة من العقوبات التي استهدفت خصوصاً قطاعي النفط والمصارف في آب وتشرين الثاني الماضيين. لكنّ إعلانه في تمّوز الماضي استعداده لإجراء حوار مع الإيرانيّين، أعاد إلى الأذهان الأسلوب الذي اتّبعه مع #كوريا_الشماليّة عبر فرض الضغوطات والتهديدات القصوى قبل عقد قمّة تاريخيّة استضافتها #سنغافورة في حزيران 2018.


بين سوريا وأفغانستان

وبعدما انتقد ترامب عمليّة "بناء الدول" وحروب الولايات المتّحدة "التي لا تنتهي" في الخارج، فاجأ المراقبين والمستشارين أواسط كانون الأوّل الماضي بإعلانه سحب جميع قوّاته من سوريا والبالغ عددها حوالي 2000 مقاتل. وبالرغم من مواجهته معارضة شديدة من الداخل وقدرة متجدّدة لداعش على شنّ هجمات قاسية كان آخرها تفجيران انتحاريّان خلال أسبوع واحد في منبج والحسكة أدّيا إلى مقتل أربعة أميركيّين وجرح خمسة آخرين، يبدو الرئيس مصمّماً على قراره الذي قد لا يكتمل قبل الربيع المقبل. من جهة ثانية، تحدّث ترامب أيضاً عن سحب نصف قوّاته من أفغانستان والبالغ عددها 14 ألفاً، مع العلم بأنّ واشنطن كانت قد أرسلت 3 آلاف جنديّ إضافيّ إلى تلك البلاد في أيلول 2017، حيث يستمرّ سوء الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة هناك. وبالحديث عن أفغانستان، حقّق ترامب أحد وعوده بضرب داعش بقوّة عندما استهدف الجيش الأميركيّ في نيسان 2017 شبكة أنفاق لداعش شرق البلاد ب "أمّ كل القنابل" وهي أقوى قنبلة غير نوويّة تملكها واشنطن، الأمر الذي أسفر عن مقتل حوالي 100 إرهابيّ.

وشهد شهر نيسان قطيعة جزئيّة لترامب مع سياسة سلفه باراك أوباما تجاه "الخطّ الأحمر" حول استخدام الجيش السوريّ السلاح الكيميائيّ، فردّت واشنطن في نيسان 2017 و 2018 على الهجومين في #خان_شيخون و #دوما، المرّة الأولى بشكل منفرد والثانية بالاشتراك مع لندن وباريس، مستهدفة مطارات عسكريّة ومراكز أبحاث. تمّ ذلك من دون أيّ تغيير لموازين القوى على الأرض.


معارك الداخل: من القضاء إلى الاقتصاد فالإغلاق

على الصعيد الداخليّ، نجح ترامب في تسمية وإيصال محافظين إلى المحكمة العليا بالرغم من المعارك الصعبة التي خيضت في الإعلام والكونغرس للحصول على الموافقة كما كانت الحال مع القاضي بريت كافانو. وفي 22 كانون الأوّل 2017 وقّع على قانون تخفيض الضرائب على الشركات والأفراد قائلاً إنّ عائلة مدخولها 75 ألف دولار ستنخفض ضريبتها بأكثر من 2000 دولار مضيفاً أنّ ذلك يصبّ في مصلحة الطبقة الوسطى وفرص العمل. وفي تشرين الأوّل 2018، شهدت الولايات المتحدة إضافة 250 ألف وظيفة، أي أكثر ممّا توقّعه الخبراء بحوالي 60 ألف وظيفة. وفيما بلغت نسبة البطالة 3.7% مسجّلة أدنى مستوى لها خلال 50 عاماً، ارتفعت الأجور بنسبة 3.1% على أساس سنوي وسجّلت أعلى قفزة منذ سنة 2009. وفي كانون الأوّل الماضي أضيفت 312 ألف وظيفة إلى سوق العمل في الولايات المتّحدة في رقم كان أيضاً أعلى من المتوقّع. وعلى الرغم من ارتفاع البطالة إلى 3.9% سجّل الاقتصاد عموماً أرقاماً إيجابيّة خلال الشهر الماضي، بحسب عدد من الوسائل الإعلاميّة الأميركيّة.

لكن من ناحية أخرى، إنّ وطأة الإغلاق الحكوميّ الجزئيّ الناتج عن الخلاف بين ترامب والكونغرس حول تمويل الجدار، يصعب إنكارها لأنّ 800 ألف موظّف حكوميّ دُفعوا لأخذ إجازات غير مدفوعة أو يواصلون العمل من دون أجر. ويمكن لأربعة ملايين متعاقد أن يتأثّروا بالإغلاق فيما تواجه الأعمال الصغيرة استحالة بالحصول على قروض، أمّا المحاكم الفيديراليّة فتكاد تنفد من المال. لكن من المرجّح ألّا يؤدّي ذلك إلى انكماش طالما أنّه لم يقترن بعوامل خارجيّة كبيرة مثل حدوث المزيد من التدهور في العلاقات الصينيّة-الأميركيّة. ودخلت واشنطن وبيجينغ حرباً تجاريّة كبيرة مع فرض الأولى ثلاث جولات من الرسوم منذ أيلول الماضي تراوحت بين 10 و 25% على 200 مليار من البضائع الصينيّة فردّت الأخيرة بالمثل عبر فرض رسوم على حوالي 60 مليار دولار منذ الشهر نفسه. وفيما كان ترامب قد هدّد سابقاً بإجراءات مماثلة على بضائع أخرى تتجاوز 250 مليار دولار، برزت الهدنة التي أعلن عنها الطرفان الشهر الماضي والتي ستستمرّ لثلاثين يوماً.


"خوف" و "مقاومة" ورقم "قياسيّ"

إنّ نجاح ترامب الجزئيّ أو الكامل بتحقيق وعود انتخابيّة وفشله بتحقيق جزء آخر متعلّق مثلاً بمحاكمة هيلاري كلينتون أو باستبدال قانون أوباما كير أو بناء جدار مع المكسيك وجعلها تدفع ثمنه، هي جزء من المحطّات التي طبعت رئاسة ترامب. لكنّ السمة الأبرز ربّما، سيطرة "الفوضى" على استقرار وعلاقات المسؤولين داخل الإدارة. فقبل مرور شهر واحد على دخوله البيت الأبيض، استقال مستشار شؤون الأمن القوميّ الأوّل مايكل فلين بسبب لقائه بالسفير الروسيّ في واشنطن وإطلاع نائب الرئيس الأميركي مايك #بنس بصورة المحادثات بطريقة "مجتزأة". ومرّ ثلاثة مسؤولين على هذا المنصب وحده. وقبل طيّ سنة 2018 آخر صفحاتها استقال وزير الدفاع الأميركيّ جايمس #ماتيس احتجاجاً على عدد من التوجّهات الرئاسيّة وأبرزها قراره بالانسحاب من سوريا.

وما بين الاستقالتين، عدد كبير من الاستقالات والإقالات التي شهدتها الإدارة مسجّلة رقماً قياسيّاً في هذا المجال، مع خروج ما يقارب 60 مسؤولاً بارزاً. وكانت الخلافات تخرج أحياناً إلى العلن مع شتائم بين المسؤولين أنفسهم أو تتّخذ طابعاً "بوليسيّاً" كما حصل مع إعلان أحد المسؤولين البارزين الذي أخفى هويّته في مقال له ضمن "نيويورك تايمس" أنّه يشكّل جزءاً من المقاومة الداخليّة. وفي أحيان أخرى، خرج صحافيّون بكتب تروي الخلافات التي كانت تحصل داخل الإدارة مثل كتاب "الخوف" لبوب وودورد أو "النار والغضب" للصحافيّ مايكل وولف.


كوهين والشهادة المنتظرة

لكنّ المسألة الأكثر إثارة لغضب ترامب تبقى مسألة الاتّهامات الموجّهة إليه بالتواطؤ مع الروس. ووصف ترامب التحقيقات التي يجريها فريق روبرت مولر بأنّها "مطاردة ساحرات" وكان دفاع وزير عدله السابق جيف سيشنز عن تحقيقات مولر من أهمّ الأسباب التي دفعت ترامب إلى إقالته أواخر السنة الماضية. من جهتها، كشفت صحيفة "نيويورك تايمس" مؤخّراً أنّ مكتب التحقيقات الفيديراليّ يحقّق في ما إذا كان ترامب قد تواطأ مع #روسيا لخدمة مصالحها. وهاجم الرئيس الأميركيّ محاميه مايكل كوهين الذي تعهّد التعاون مع فريق المحقّقين بعدما اعترف بخروقات لقوانين تمويل الانتخاب وشراء صمت نساء أقمن علاقات مع ترامب. كذلك، سيدلي كوهين بإفادة أمام لجنة الرقابة في مجلس النوّاب في 7 شباط المقبل أي بعد حوالي شهرين ونصف على اعترافه بالكذب على الكونغرس حول تفاصيل مشروع عقاري لترامب في موسكو لم يتمّ إنجازه.

نظرته إلى الروس: بين التساهل والتشدّد

وبالكاد ينتهي تقرير صحافيّ يذكر معلومات جديدة بشأن الشبهات حتى يبرز آخر يشير إلى مستجدّات أحدث حول الموضوع، كما حصل مساء الخميس الماضي عندما أصدر موقع "بازفيد" تقريراً نقل فيه عن مصدرين في الشرطة الفيديراليّة قولهما إنّ ترامب طلب من كوهين أن يكذب في جلسة الاستماع أمام الكونغرس سنة 2017 بشأن محادثات متعلّقة بمشروع عقاريّ في روسيا. على الرغم من الشبهات المحيطة بالرئيس الأميركيّ حول هذا الموضوع، ظلّت خطاباته إيجابيّة بالنسبة إلى الرئيس الروسيّ فلاديمير #بوتين. ولعلّ كلمته خلال المؤتمر الصحافيّ المشترك في قمّة هلسينكي والتي فضّل فيها الانحياز لصالح نظيره الروسيّ عوضاً عن أجهزته الأمنيّة كان أكثر ما لفت نظر المراقبين في تمّوز الماضي. لكنّه في جوانب أخرى من التوتّر الثنائيّ، أبرز سياسة متشدّدة أكان عبر العقوبات لكن خصوصاً عبر التهديد بالانسحاب من معاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى.


ماذا عن الفترة المتبقّية؟

قد تحمل السنتان المتبقّيتان من ولايته الأولى المزيد من المفاجآت وربّما "الفوضى" في إدارة ترامب، أكانت متعلّقة بالملفّات الأساسيّة المذكورة أم بملفّات جديدة أخرى. لكن يبدو أنّ هذه الفوضى لم تؤثّر كثيراً على شعبيّة الرئيس الذي استطاع حزبه الاحتفاظ بمجلس الشيوخ في الانتخابات النصفيّة الماضية على الرغم من خسارته مجلس النوّاب. وفوز حزب الرئيس بمجلس الشيوخ يُعدّ حدثاً نادراً في الحياة السياسيّة الأميركيّة. حتى أنّ خسارة الجمهوريّين لمجلس النوّاب جاءت أقلّ من الخسارة التي مني بها الحزب الديموقراطيّ خلال الانتخابات النصفيّة في ولاية أوباما الأولى، وإن لم تكن خسارة ضئيلة في نهاية المطاف. لكن بالرغم من ذلك، سيكون غياب الاستقرار، لو استمرّ، عاملاً أكثر خطورة على مسيرة الرئيس في السنتين المقبلتين. يمكن أن تكون تداعيات "الفوضى" خلال الأشهر الأربعة والعشرين الماضية قد انحصرت بالانتخابات النصفيّة. لكن في ما يتبقّى من الولاية الأولى، يمكن للتأثير السلبيّ أن يطال الحملة الرئاسيّة ... إلّا إذا فشل الحزب الديموقراطيّ في تقديم وجه جديد للاستحقاق المقبل.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard