عندما كتبت رندا أسمر عن مي منسّى تكريماً لمي منسّى

20 كانون الثاني 2019 | 12:39

مي منسّى.

كيف لي أن أكتب عن أديبة أمضت عمرها في فنّ الكتابة؟

كيف لي أن أجد كلماتٍ تليق بكاتبةٍ عجنت وخبزت حياتها بالكلمات؟

كيف لي أن أقارب خبرة نصف قرن وأكثر، تحملها الصحافيّة التي تجذّر قلمها بجذور الوطن، فعاشت في قلب ذاكرته الثقافيّة وعايشت كبار مثقّفيه ومبدعيه؟

كيف لي أن أقلّب الأوراق والدفاتر التي تحتضنها ناقدة عريقة وكأنها تحتضن كنزاً ثميناً، كلما شاهدت عملاً فنياً وشهدت عليه، فتغرف له من كنوز قوامسيها مفرداتٍ تصقلها في المقالات النقديّة التي توّجت بها أجمل صفحات جريدة "النهار"، فتتوّج إسمها باكراً جدّاً بين أرباب علم النقد وعالمه؟

كيف لي أن أنبش مفاتيح الروايات التي سبرت أعماق روائيّةٍ تنبض بالتساؤلات حول معنى الحياة؟ روائيّة يستوقفها جوهر الإنسان وجوف الإنسانيّة.

تسير بقلمها على دروب شخصيات وأبطال تختارهم بحسب الرؤيا التي تسكن روحها وقلبها وكيانها ونهارها وليلها، فترسم لكلٍّ منهم حياةً مليئةً بالحياة وموتاً مليئاً بالموت.

تقود أبطالها بيدها لتدخلهم في دهاليز من الصراعات النفسيّة والأزمات الوجوديّة التي شغلت كبار الفلاسفة والمفكّرين، فتجعل من الألغاز والحقيقة مادّةً أساسيّةً للتشويق وللكشف عن عبثيّة الأقدار التي يتخبّط فيها الإنسان منذ بداية البشريّة وحتى اليوم.

لن أدّعي أن لديّ قدرة العلماء على تحليل أسلوبها الأدبيّ، إنما أكتفي بالقول بأن الصور واللغة والمعاني التي تحملها رواياتها تأخذنا، من حيث ندري أو لا ندري، إلى عالمٍ الواقع والخيال في آنٍ واحد، كأنّنا معلّقون بين الحلم والكابوس، فمن يعرف هذه الكاتبة جيّداً يتلقّى دعوتها الدائمة إلى عدم الخوف من مواجهة الحياة، والأهم من ذلك، عدم الخوف من مواجهة الموت.

كيف لي أن التقي بالسيّدة مي منسّى للمرّة الأولى، منذ ثلاثين عاماً وفي زمن الحرب الطويلة بطول يوميّات الحروب، من دون أن تنطبع في قلبي إبتسامتها الجميلة الأنيقة البهيّة الراقية؟

لم أعرف يومها أنها رأتني قبلاً على خشبة المسرح في "صانع الأحلام". كنت في بداية المشوار وكان طموحي أن أعتنق مهنة التمثيل من باب العلم والفنّ الجادّ. فجاء لقائي مع ميّ يعلّمني درساً إضافيّاً: أن الذات الداخليّة لا تصنع منك فنّاناً حقيقيّاً، بل إن الفنان الذي في داخلك يخلق من جرّاء لقائك بفنّان آخر.

وميّ منسّى هي بالنسبة لي وقبل كلّ شيء، فنّانة حقيقيّة بامتياز.

هي فنّانة في شهاداتها الصادقة، وفي ملامستها التفاصيل الدقيقة للعمل الخلاّق، وفي إبراز الجماليّة الإبداعيّة التي، في بعض الأحيان، لا يدركها المبدع نفسه.

هي فنّانة في حرية فكرها، وفي ممارسة إيمانها تجاه حقّ الإنسان بالحرية. هي فنّانة بالطريقة التي تحبّ بها، فالذين تحبّهم أو أحبّتهم ميّ يعرفون ذلك أكثر منّي.

هي فنّانة في تكابرها على الخيبات، وفي رجْمها للسوء، وفي طريقة تطهير روحها من الألم.

هي فنّانة في عيشها الوحدة والغربة، حتى أنها تتغنّى بهما.

هي فنّانة في شجاعتها عند واجب الكلام كما عند واجب الصمت. تعرف متى تحضر كما تعرف متى تغيب.

كيف لي أن أنسى التفاتها نحوي، منذ خمسة أعوام، يوم أتت لتزورني - وقد خرجت هي للتوّ من علاج استشفائي- إثر وقوعي من على خشبة المسرح في تمارين "فيفا لا ديفا"؟ أتت مع هدية طبعاً، إذ أن مي هي ملكة الهدايا، وفاجأتني بإجراء مقابلة معي. أما المفاجأة الكبرى فكانت عندما قرأت المقال حيث لقّبتني بـ"سيدة المسرح"! هل من هديّة أجمل من تلك؟

أنا التي تملكني الرهبة عندما أعرف أن مي منسّى جالسة في الصالة مع أوراقها، فأنتظر مقالها النقديّ بشوق وقلق، وأراني أحصل على هذا اللقب!

هذا لم يحدث معي أنا فقط، فإن مي وقفت بضميرها المهنيّ الراقي إلى جانب الكثير من الفنانين الآخرين، هي التي تتلقّى العمل الفني وتكتب عنه بحساسية مرهفة، وبمفردات تلامس الشعر، حتى أنها إن شتمت، فهي تشتم بشاعريّة.

هي التي لا تغيب عن أيّ حدث ثقافيّ ولا عن أيّ مهرجان فنيّ، حتى إذا اضطرّت على الغياب ولو لمرّة، الكلّ يسأل: أين مي منسّى؟ هل أصابها مكروه؟ وإن غاب مقالها عن جريدة "النهار"، الكلّ يعرف أنّها ولا بدّ في طور كتابته.

أبعد من ذلك، مي منسّى تقول بأن الوقوف إلى جانب المبدعين هو واجب وطنيّ. فتشرح قولها بأنه ممنوع على كلّ صاحب ضمير أن يتخلّى عن هؤلاء الذين لهم الفضل الأكبر في إنعاش الحياة الثقافية، وبمبادرات معظمها فرديّة، في دولة تخطّت مآسيها الحياتية كل الحدود، حتى أنها لا تعي أن الإبداع اللبناني هو سرّ من أسرار بقاء الصورة الجميلة لواجهة هذا الوطن.

ألسنا في قرابة من العام المئة الذي سأل عنه جبران خليل جبران منذ مئة عام "هل من يخبرني عن لبنانكم بعد مئة عام؟".

إن مي التي لها هي أيضاً لبنانها، تجيب عن هذا السؤال وتطمئن جبران خليل جبران بأن المبدعين هم الذين يبنون الأوطان وهم الذين ينشرون الألق اللبناني الذي طالما أدهش العالم.

كم من المرّات رأيتها تغضب بشدّة على من ينتقد ويشتم "البلد"، وهو يتفرّج عليه من بعيد، بدل من أن يضع يده بيد الذين جعلوا من الموت حياة، ومن التشرزم وحدةً، ومن الفقر رجاءً، ومن الظلم صبراً، فحوّلوا الألم إبداعاً، إذ أن الإبداع هو أحد السبل التي تحفظ كرامة الوطن وفخرنا به.

لا أحد يستطيع أن يحكي عن مي كما هي تحكي عن نفسها.

لا أحد يعرف مكنوناتها الدفينة كما هي تعرفها.

لذلك، أشعر هنا والآن بأنني بحاجة لأن أكتب لها بدل أن أكتب عنها:

عزيزتي مي،

شكراً لعطائك، شكراً لمحبّتك، شكراً لتواضعك، شكراً لسعة قلبك، شكراً لنضالك، شكراً لوجودك الباكر في مسيرتي.

كيف لي ألاّ أحبّك وقد أعطيتني الفرح والأمل، وهما بالنسبة لي أقوى من الحب؟

لم أركِ يوماً مستسلمةً، لم أركِ يوماً مستجديةً، لم أركِ يوماً مهزومةً، مهما كان حجم الجراح، لم أركِ سوى مرفوعة الرأس، كريمةً مكرّمةً يا أمّ الكرامة، تتابعين سيرك من دون كلل، من دون خوف، إذ أن الكبار لا يتعبون ولا يخافون.

فكيف لي ألّا أتعلّم منك دروساً ودروساً، بعد ثلاثين عاماً من لقائنا الأول؟

واسمحي لي بسؤال أخير:

كيف لي أن أجد بعضاً من ذلك العطر الذي تزرعينه من حولك، كزهرة بريّة فريدة متفرّدة، فأنثره أمامك على دروبك الطويلة بطول عمرك وفصوله المنثورة في الصحافة والأدب؟ إلى اللقاء!

* نص منشور في الكتاب التكريمي الذي كانت وضعته الجامعة الأنطونية احتفاءً بمي منسى.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard